لم انم تلك الليلة وانا افكر بيومي الاول في الكلية . وحين ازفت الساعة الثامنة وحان موعد الاجتماع الاول ، كان قد مضى على نهوضي اربع ساعات وانا لا افتأ متنقلة من مكان لاخر ومن سؤال لغيره ، حتى شعرت بأن قواي قد خارت منذ بدء النهار ، فحمدت الله على فترة السكون التي وعدنا بها ، وصعدت السلم متثاقلة الى حيث وجدت الفتيات قد سبقنني الى الجلوس .
الردهة واسعة ، تكاد تخلو من الاثاث ، الا البيانو وصورة الجوكوندا على الحائط المواجه للمدخل ، وستائر متهدلة تنسدل فوق الواجهة الزجاجية الكبرى وتلطف حدة اشعة الشمس ، في حين تعكس على الجدران ظلالاً من لونها البرتقالي المشرق .
شعرت بلذة الدفء في جو انيق - رغم بساطته - وحين وقفت المديرة لتلقي حديثها وعلى فيها ابتسامة رقيقة ، رأيت انها جزء من هذا المكان الذي يجمع بين البساطة والاناقة . ورحت اتأمل وقفتها المتزنة ، وذراعيها المكشوفتين وثوبها المهندم وافكر كيف استطاعت هذه المرأة المنصرفة الى العلم والتعليم ان تبقى على ذلك امرأة تعنى بشكلها الظاهر وتحافظ على رشاقته . وفي انصرافي الى افكاري الخاصة لم اصغ الى ما كانت تقوله ، حتى صدم سمعي ، في معرض كلامها ، قول اثار انتباهي : « حين تطلي الواحدة منكن وجهها بالمسحوق ، لتنتق اللون المناسب ... لتضعه بذوق سليم ، رشاً خفيفاً لا يذهب بنضارة الوجه . ولتعرض مرآتها للنور ، لكي تبصر لون وجهها عن كثب ، وترى المسحوق موزعاً بشكل سويّ على وجهها وعنقها ... »
خرجت من الردهة اتعثر بأذيال الخيبة ، كأني ارتكبت زلة باصغائي الى حديث ورد فيه ذكر المرآة والمساحيق . وحين تحدثت الى ندى - وكانت تسبقني بسنة في سلم الدراسة الجامعية - عما يجول في ذهني ، رفعت حاجبيها وقالت ضاحكة : « واية جريمة في هذا ؟ الا نتحدث عن هذه الامور فيما بيننا ، فلماذا لا نبحثها علناً في حديث يقصد به الارشاد ، انت هنا
لتتخلصي من تقاليدك القديمة التي تنكر الصراحة وتؤثر التكتم والمداورة . كأني بك تعتقدين ان الحطب لا يمكن ان تتناول سوى موضوعات مثالية خيالية فخمة العناوين ولا يجوز ان تتنازل لبحث الواقع الذي نعيشه والذي هو اجدر بالدرس من الخيال » .
في المساء اجتمعنا لحفلة انس وتعارف ، انستنا الى حين ما سمعناه طول النهار من معلومات حول كيف ندرس وكيف نستعمل المكتبة وكيف يجب ان نتصرف وكيف ننتقي موضوع اختصاصنا .
وحين دخلت ورفيقتي غرفة النوم العصرية الحجم لم يكن لنا ما نتحدث به سوى تلك السهرة التاريخية التي اتصلنا فيها بطالبات من مختلف البيئات والاجناس جمعهن طلب العلم تحت سقف واحد .
واخذت لوريس - ثالثتنا في الغرفة - تصف الطالبات اللواتي تعرفت اليهن . وتقابل بين ممثلات بعض الاقطار المجاورة في الهيئة واللهجة . اما ندى فقد جذبتها العناصر الغربية في جماعة الطالبات ، تلك التركية المنسدلة الشعر الموسيقية الصوت ، واولئك القادمات حديثاً من المانيا وروسيا ، يحملن الى الشرق اراء غريبة في فلسفة العيش . اما انا فصرحت اني شغلت بالمقابلة بين الفتيات اللواتي يمثلن مناطق مختلفة من وطننا الصغير ، لا نعرفها الا بواسطة الخرائط المزدحمة الخطوط ، القليلة الوضوح .
واندفعت في وصف انطباعاتي زاعمة ان بنات الشمال يتميزن برؤوس شامخة كجبالهن ، يتكلمن بلهجة فخمة يكثر فيها الضم والرفع . وفي كلامهن قوة وعناد ، هو بلا شك عناد الصخور التي تحدرن منها . وعلى عكسهن بنات الجنوب ، فهن خافضات الصوت والطرف نظير التلال التي تنتهي بها السلسلة الغربية . اما بنات المناطق الوسطى فقد توسطت اخلاقهن بين الشمال والجنوب ...
واردت الاسترسال في الوصف حين قاطعتني ندى قائلة : « ها قد عدت الى عالمك الخيالي الذي حذرتك منه هذا الصباح .

