.. هذه قصة « في عمر الورد » تنشرها لقصاص ناشيء من دمشق. والقصة تبشر بمستقبل لامع، تتمناه مخلصين لكاتبها السيد عادل أبو شنب.
★
تنظر إليه، وتجرُّ قدميها جراً، لقد قال لها أبوها:
- لا تركبي، عودي على قدميك!
وتعود دون أن تركب، ولا يستطيع شيء أن ينزع من فكرها اعتقادها بأنها بائسة .. مسكينة، أخذت خمس ليرات أجرة عمل ليلة، والعمل مضن: دخان، رجال سكارى، زميلات حسودات .. وواحدة صفراء، لبدنها لون قشر الليمون.
وتلتفت إليه .. لقد جاءها ذات ليلة مخموراً، فأسر في أذنها شيئاً، لعله قرأ نقمتها على قسمات وجهها، ولم تقل شيئاً، وإنما ابتسمت ابتسامة جزعة، ولو أنها قالت، وافقت .. لبصق بطن زميلتها أحشاءً منتفضة، وهوى الجسد الأصفر المحدّد إلى الأرض، فانفتح عن شفتين مليئتين بدم أسود!
لم تحب أبداً هذا العمل، قالت لأبيها:
- لا أريد أن أتاجر بوجهي .. بسيقاني!
ولم يسمع .. قال:
- الولد بحاجة إلى « حليب »
وجاءت المسرح .. رقصت، ولم تعتقد حينئذ أن الجمهور سيستقبلها بمثل هذا الحماس، إلا أنها مع الأيام أدركت أن الزبائن متوحشون يتحمسون لا للراقصة فحسب، وإنما للمغنية أيضاً أن كان لها بشرة ناعمة وساقان جميلتان.
وتتطلع إليه من وراء كتفها، لقد قال لها ذات ليلة:
- زميلتك تغار منك، وأنا أملك أن أطردها، أن أقتلها، فهل أفعل؟
ولم تحبه أبداً، فهي لم تكن لتريد أن تطرد زميلتها من أجلها.
لسوف تطوّح بالليرات الخمس .. تقذفها إلى زاوية الغرفة، حيث الولد يهذي.
- هل اكل الولد؟
فيجيب الأب العجوز:
- كنت انتظرك. قلبي معك.
وقلبها الأخرى معه، تحبه وما رضخت إلا لتضمن له ولأخيها الصغير المطروح على فراش الحمى طعاماً، ودفئاً، وحناناً.
وتنظر مرة أخرى إلى حيث الشاب الأشقر السكران. يمشي .. يتبعها دائماً، أنها لا ترى فيه ما يدل على أنه يقاسمها عن بعد، وفي صمت الألم المدخر في صدرها، ولكنها مع ذلك تتحمس لإقباله عليها، تتحمس لهذه الأناقة البادية التي تحدد له في ذهنها دخلاً كبيراً، وجاهاً .. وغنى.
ويبتسم، فلا تبتسم، وإنما تعود بمجمجتها إلى وضعها الأول ..
وتقضي سيارة سريعة إلى جانبها، ويمر وجه، أن الوجوه التي تلمحها العين بسرعة لتثير في المخيلة ذكريات كثيرة متباينة .. لشد ما فرحت لصاحبة هذا الوجه، صديقتها، عندما رأتها بالثوب الأبيض الطويل، تختال به أمام المدعوات في انتظار مجيء الرجل الذي لن يتركها مدى الحياة .. تراها ستتزوج هي الأخرى؟
ويفاجئها وجه زميلتها الأصغر .. المليء بالحكايات، وتتخيل كيف استعارت منها في الليلة الأولى ثوب الرقص .. لقد تمنت، في الحق، لو يكون لها مثله، وإن كانت تعرف أن الليرات الخمس التي تأخذها أجراً، لن تستطيع أن تحقق أمنيتها أبداً ..
وتأخذ رأسها إلى وضع ملائم: ترى لماذا امتنعت زميلتها بعد ذلك عن إعارتها ثوب الرقص؟ أنها لم ترد أبداً أن تسيء


