تطغي على الغرب اليوم ازمة اجتماعية شاملة، عصفت بالاسرة ودكت اصولها دكاً مريباً، حتى باتت حديث المصلحين الاجتماعيين، على تباين آرائهم ونظرياتهم. منهم من يرى ان هذه الطفرة في سلوك الشبيبة، واعنف ما انتهت اليه في اوربا واميركا، انما هي في الاصل تطور طبيعي لنظام العيش المتبع هناك، ولنظرتهم التربوية التي تبنّوها عقب الحرب العالمية الاولى، والتي تمنح الشبيبة الحرية المطلقة، كحق من حقوقهم الطبيعية.
وفريق ثان يعتبر هذه الطفرة الاجتماعية نتيجة حتمية للحروب العالمية التي تفقد العائلة توازنها، وتضطرها الى تكييف نفسها والظروف الراهنة.
وتفعل السنون فعلها فتبدّل من مفهوم القيم في ذهنية الشعوب، وتمسي الاوضاع الجديدة امورا مسلماً بها، تخلق من اجلها المبررات ...
ما كان هذا الامر لنا بذات اهمية، لو كنا في منأى عنه، غير ان رشاشاً غامراً منه يصيب جهازنا الاجتماعي ويترك في صلبه لطخاً بشعة، ترفضها اذواقنا وتنفر منها. فما هو سبب ذلك ياترى، وهل ثمة اختلاف اساسي بيننا وبينهم من حيث تقبّلنا للوضع الراهن؟ والا فلماذا نراهم يسلمون به راضين، بينما نرفضه نحن ثائرين؟ ..
في رأيي، ان الاختلاف في الاساس، مردود الى مفهوم كلمة «الشرف». فمعنى الشرف عندهم الاستقامة في المعاملة والصدق في القول والاخلاص في العمل،
اما عندنا فله معنى مغاير يكاد ينحصر في علاقة الجنس الواحد بالآخر، فكلما كان انساننا شديداً متحفظاً، استقبله المجتمع بالارتياح والرضى، وكل اختلاط او اتصال بين الجنسين يُعزى عفوياً الى شيء من قلة الشرف !
هذا المفهوم، على غرابته، جزء من تقاليدنا، متأصل الجذور في عقولنا، عبر اجيال واجيال، وليس من السهل التنكر له وقلبه رأساً على عقب، ولو كان لنا ان نحاول ذلك لتعرّضنا لثورة متطرفة، جرّتنا الى ويلات اخلاقية تتنافى وما نشأنا عليه من مُثل خلقية تعني لنا كل شيء ولا تكاد تعني للغربي الا القليل ..
ومن يزعم، في الوقت نفسه، ان بمقدورنا التشبث بموقفنا وصون تقاليدنا من الطفرات الاجتماعية فقد اخطأ، لان التطور سُنّة الكون النامي، وتوقف اي مجتمع عن نموه والتطور انما هو دليل موته والاندحار، وما هذا الذي نريده لبلادنا ومجتمعنا !.. نحن نريد له الحياة الكريمة مع التطور الواعي الموجه الذي يستلزمه هذا العصر، والذي بموجبه نجاري الامم الراقية - شرط عدم التطرف وتوخي الروية والاعتدال.
تسرّب الينا، مع ما تسرّب من عادات الغرب المستحدثة شتى فنون الرقص والسباحة والرياضات البدنية، يرافقها جميعاً النظرة التربوية الحديثة التي توصي بالاختلاط بين الجنسين، على الاخص في مراحل روضة الاطفال، الابتدائية، والجامعية. وبقيت المرحلة الثانوية وحدها موضع شك، وفُضّل تجنيب المراهقين الاحتكاك المباشر في هذا الدور الحساس.
وكان طبيعياً ان يرافق هذا التغيير تبدّل في نسق العيش واللباس، فقامت القيامة من جانب الرجعيين المتزمتين الذين يتمسكون بنظرة قديمة، ويرون في كل خروج عنها اثماً لا يغتفر !

