وتسابقت الصحف على اقتناص الهفوات الاجتماعية من أوكارها ، ووضعها في إطار ناب ، هادفين من وراء ذلك - على زعمهم - الإصلاح والخير ... وفات هؤلاء ، إن أمثال هذه الهفوات ملازمة لكل مجتمع ، محافظاً كان أو متحرراً ، الآن وكل أوان ، وإن التدليل على وجوده بين ظهرانينا اليوم ، لا ينفي وجوده منذ أن كان آدم ... وحواء !
قلت : إن التطور سنة كل مجتمع . إنه دليل نموّه . لذا فمن العبث أن نحاول صد هذا التيار بالوسائل السلبية من نقد وتقبيح وتعداد فضائح ... يقيني أن هذا كله لن يجدي ، ولن يرد أولادنا دون الانصياع إليه وتفضيله على القديم
الجامد . فالنشء الطالع الذي تشرّب هذا المشرب ، برضانا أو بغير رضانا ، مع ثقافته ، وما يشاهده على الشاشة ، أو يطالعه في الكتب ، باتت له نظرة خاصة مستملحة ، لن تردعه عنها مقاومتنا إياه . كما وأنه يجب ألا ننكر ما لهذه المظاهر من أثر بعيد في بناء شخصية الأولاد وتعويدهم الاعتماد على النفس وبناء ذواتهم بناء مستقلاً .
من أجل هذا كله ، بات لازماً علينا ، كأمهات وكآباء ، أن نكون جد حكماء ساعة نجابه مشكلة ما في نطاق أسرتنا ، فبدلاً من الانقياد إلى الطرق القديمة من تحكّم وزجر وفرض إرادة ، مما يُنفّر الأولاد ويقيم حاجزاً منيعاً بيننا وبينهم - بدلاً من هذا كله ، لنكن إيجابيين فنقرّب أولادنا منا عن طريق الألفة
والتفاهم ، وليكن نقاشنا معهم على الصعيد العلمي الصرف ، محاولين تفهّم نفسيتهم وكسب ثقتهم والحفاظ على محبتهم واحترامهم الغاليين . وعند ذاك يصبح ميسوراً توجيههم التوجيه المتزن الذي يراعي تقاليدنا وقيمنا الخلقية ، مع إعطائهم الحرية الكافية التي يتوق إليها كل الأحداث في كل الأزمان .
القافلة تسير ، وسيرها دائماً إلى الأمام ، فمن الخطل الوقوف في وجهها لتحويل حفنة من القطيع إلى الجهة المعاكسة . وكل ما نستطيع فعله هو حراسة القافلة بعين يقظى ساهرة ، وحمايتها من ضواري الذئاب ومن هوج العواصف ، ربّما يقوى منها العود ، فتقف وحدها بشجاعة وتختار لنفسها الطريق التي تشاء .

