كل منها اكثر من مئة ليرة .. ومن أين لها هذا المبلغ ان كانت تقذف بالليرات الخمس كل ليلة الى زاوية الغرفة ، حيث الولد المريض والاب الممرض ؟
ويقترب الاشقر السكران منها اكثر فأكثر .. فتمر في بدنها رعشة ساخنة ، مذلة كرعشها ليلة جاءت ذات الجسد الاصفر تزأر في وجهها :
- كلا ، لن اعطيك ثوبي ، ابداً !
ولم تأخذ الثوب بعد ذلك مطلقاً .. فلقد ادركت ان ما يدفع زميلتها قد يدفعها هي الاخرى ، فيما لو مرت بها نفس الازمة التي تقرّب ابداً من نافذة البطالة البشعة ، وان كانت قد علقت في حنجرتها غصة ، لم تستطع ان تتفاداها ، طالما انها ما زالت ترى كل ليلة زميلتها ذات الجسد الاصفر المخدر .
فكرت ان تفعل شيئاً ، قالت :
- لم اسيء اليها يا ابت .
ولم يجب ابوها ، فلقد ترأى له صبي آخر ، قد يكون منطرحاً على فراش ، وقد لا يكون .. ورجل عجوز ، وعوَز مائل ، فطافت بعينه دمعة .. قال :
- سأقتصد من اجل الثوب يا ابنتي .
ولم يقتصد شيئاً ، لأنه لا يستطيع ان يفعل . وتدب الشجاعة بالرجل الاشقر فيقترب منها .. يقول :
- مري .. أية خدمة ؟
- لا شيء !
وتقف ، تحدق فيه .. وتقول :
- تلحقني دائماً ، فما هو قصدك ؟
- اريدك .
وتبتسم ابتسامة مُرّة ، ان رجلاً من الشارع ليستطيع ان يغذي الرغبة التي تفتقدها البنت الشابة دائماً .. وتقول له :
- لست من تعتقد .
وتسير .. فيتبعها ، يقول :
- اريدك .. أتمنى ان اتزوجك !
وتهمّ لتقف ، فالمفاجأة غنية ، الا انها تتابع وفي صمتها تتكلم عيناها ، قسمات وجهها ، عروقها المنتفضة ، فهي تود لو تعانق كل الناس ، تبتسم لهم ، تذيع عليهم النبأ الحار .
وتسمع اباها يقول لها ، تتخيل ما سيقوله لها :
- يريدك .. فهل توافقين ؟
ستجيب :
- الامر امرك يا ابت !
وهي تعلم انها لن ترى الليلة المزهرة بعد ذلك ابداً !
وتنظر الى الشاب الاشقر من جديد، فتنطفىء الابتسامة على فمها ، ابتسامة بعمر الورد هي .. وتأخذ وجهها جهة البيت ، تسير وبيدها الليرات الخمس ، اجرة عملها ، وبين عينيها أب عجوز ، ودمعة ، دمعتان .. وأخ مريض ، وخلفها يقف شاب اشقر مشدوه ، وتشرأب لوحة مزدانة بأنابيب عدة من « النيون » الابيض الباهت .. !

