واخذنا تزدري الادب حين قابلناه بالعلم . وازدرينا خصوصاً ادب العاطفة والعلو والادب الخطابي المبهرج الذي كانت تعج به كتبنا القديمة والحديثة وصحفنا ومجلاتنا .
وانهارت امامنا اصنام كنا نعبدها - صنم العاطفة وصنم الخيال وصنم الرقة والانوثة والحفر ، جميع اصنام القرون الوسطى .
كانت كتابتنا تقليدية ببغائية فاصبحت شخصية ، كانت خطابية حماسية او ناعمة موسيقية فاصبحت هادئة جافة موجزة . كنا نستعمل الالفاظ المجردة المبهمة فصرنا ننتقي الفاظ العلم والمختبر المتميزة بالدقة والوضوح . ورحنا نقف عند كل كلمة نكتبها او نقولها ، واصبح قلمنا حائراً متردداً مفتقراً الى الالهام .
وكل منا ، اذا سئلت عن موضوع اختصاصها قالت هو الطب او البيولوجيا او الفيزيا او الكيمياء . اما الاختصاص في الادب وما جرى مجراه فيقابل بالدهشة والاستغراب وتحاول صاحبته ايجاد الاعذار على انتخابها الاخرق .
لكن حلقات الجدال لم تعدم واحدة قادمة من غربي اوروبا - من مطلع النور - تظهر احتقارها لنظريات العلم الحديث وتترفع عن تأليهه ، لانها تتخصص في السياسة والتاريخ وتكره الرياضيات كرهاً جدياً .
وتعارضها زميلة شرقية ، طالبة كيمياء ، وتضرب بيدها على الطاولة بجدة الواثقة وهي تقول : انا تجذبني
الحقائق لا الاوهام . اريد ان ادرس اشياء واقعية تلمس لمس اليد . اما الادب فلا اجد لدرسه أية فائدة عملية » .
شعرت ببعض تغير في موقفي حين ظهرت مجلة الطالبات وفيها اقصوصة طريفة عرفت بعد لأي انها تتضمن هجاء مبطناً لبعض النظريات العلمية ، وصاحبتها فتاتنا المتخصصة في السياسة ، القادمة بما وراء البحار .
وظهر في العدد نفسه شعر بارع النظم ، غفل من الامضاء ، اكتشفنا فيما بعد انه صنع معلمة الفيزياء ، التي كانت تجيد فن التمثيل وعدداً وعدداً من فنون اليد عدا الشعر والفيزياء . اخيراً ... هوذا واحدة من اساطين العلم الحديث لا تتنكر للفن ولا تزدري الشعر .
حينئذ عزمت على القيام بمجلة معاكسة وفي صف الانشاء اقترحت ان يكون موضوع المناظرة المقبلة - ايها اشد دلالة على المدنية ، ازدهار العلم ام
ازدهار الادب ؟
واتخذت وجهة الادب ، والقيت دفاعي بحماس وباسلوب ادبي انيق العبارة لكنه محدود الافكار .
اما مناظرتي ففعلت العكس . جاءت بقائمة طويلة من البراهين والادلة لا ادري من اين جمعتها - براهين تبين فضل العلم ومآثره الجليلة ، فكيف انه يسيطر ، بالطريقة العلمية ، على جميع وجوه المعرفة ، وبالاختراع والاكتشاف على جميع مرافق الحياة العصرية وختمت بقولها ، على مثال اهل القرن التاسع عشر ، انه القوة السحرية التي ستحول ارضنا الى سماء .
ومع ان كلاً منا شردت عن موضوعها واساءت فهمه وعرضه ، رأيت جميع الحاضرات يمنحن مناظرتي اصواتهن . وآلمني الاندحار ... ولعلي من ذلك الحين ظلت حائرة بين العلم والادب ، فلم استقر على واحد منهما .

