كان ذلك في سنة ١٩٤٥، وأنا مديرة لروضة جامعة نساء لبنان، في جيرة جوليا دمشقية. ومن نافذتها المطلّة على الحديقة نبه سمعها «شيء» في نغمة صوتي، فأرسلت تستدعيني لزيارتها لأن مجيئها إلى «صاحبة الصوت الجريح» - على حدّ تعبيرها - أمر متعذر نظراً لملازمتها الفراش!
انفتح قلبي لتوّه، ضاماً إليه بوفر من حنان، تلك التي كانت في رأسي، منذ فجر طفولتي، حلماً أسطورياً. ورحت أنبش من رواسب الذاكرة تنفّأ من هنا ومن هناك بعثرتها السنون: «مرأة جديدة»، «سمير صغار»... ضجة حول زواج مناف للعرف والتقليد.
... وحضرت في الموعد المعين، وفي غرفتها استشعرت للحال، أن هناك طراوة جوّ غير عادية، وأن أمامي سيدة خارقة.. - كيف؟ - هذا ما عجزت عن تحديده بأدبي الأمر... لهفة غامرة، ومحبة دافقة... بدت لي.
بإيجاز رويت حكايتي، وسدى حاولتُ إخفاء دمع طفح وترقرق على الحدين النحيلين.. وأحسست ساعة صافحتها مودعة، وبنظراتها النافذة دغدغت جوارحي، أن كلومي الدامية المستعصية عرفت أول البدء تحت لمسة يدها، وعرفت أنني واجدة في هذه السيدة منسرحاً رحباً تنهزم منه أحزاني وهواجسي، وأنني عن طريقها سأستعيد بعدالة الحياة ثقتي وإيماني!
من يومها أصبحت تلك اليد البضة، الفريدة في الأيدي، رائدي إلى الظفر. خطوة خطوة تتبّعت مراحل صراعي وجهادي، فلم تتوان، في أقسى أزمات أوجاعها، عن إرسال كلمة تشجيع، كلما بدر مني ما اعتقدته ذا قيمة أدبية. أما مفعول كلماتها فيّ فكان مدهشاً لحد العجب، أخرج من تلاوتها وبي عزم الأبطال والشعور بالقدرة على زحزحة الجبال. وأعترف أن خير ما كتبت جاء، وأنا تحت هذا التأثير... أليست هذه أعجوبة؟
... وعندما أقصتني عن ارتياد المجتمع نوبٌ ومشاغل، كنت كلما أغرقتني هموم عمري الجمة في وهدة من اليأس الذريع، أتلمّس طريقي إلى دارها، كما إلى معبد، فأدخل متخشعة، تثاقل قدمين، وعبوساً أسود، وأخرج جناحاً خفيفاً، وبسمات! أو ليست هذه أعجوبة؟
انقلاباً كبيراً أحدثت في حياتي، وشاءت، عن طريقي، لرسالتها، امتداداً واستكمالاً.. أوليس هذا فخرٌ لي عظيم؟ في أي تجرّد ونكران ذات كانت تدافع إذ يجور زائروها في الحكم على الأدبيات المعاصرات ويرمونهن بالعجز وهزال الإنتاج؟ وكيف كانت تستقيم في سريرها بغيرة نارية، تبرز حسنة وتغضي عن نقيصة، مبرّرة لها الأعذار - أليس غريباً كل هذا الإخلاص يأتي عن امرأة نحو بنات جنسها؟
بإرادة من حديد عاشت ربع قرن من حياتها، صراعاً دائماً بين روحها الجبارة المحلّقة وجسدها المعذّب المستسلم... فنوناً فنوناً تجنّدت ضدّها الأوجاع، فما عرف الوهن المذل يوماً إلى قلبها سبيلاً، وكان أن انتصرت في كل معركة من معارك الحياة -
ما أدري أنا إن كنت قد اكتسبت إيجابيتي من معاشرتي إياها، أم إن جذور تلك الإيجابية أصيلة في نفسي منذ البدء، إنما أعلم يقيناً أننا، نحن الاثنتين، كنا جد متفاهمتين في ذلك، بدليل ما كتبته لي في آخر رسائلها المؤرخة أول تموز، إثر سماعها خطابي في «الخلق الإيجابي»، قالت: «لا أرى من سيدة أخرى غيرك تقرن القول بالعمل، ولا أرى أحداً غيري، يتمتع، وهو يعاني سكرات الموت، بقسط من هذه الإيجابية التي تنشدينها لبنات بلادك، ولولا ذلك، لما قفزت هذه الكلمات من روحي إلى أصابعي لأول مرة بعد ثلاثة أشهر من التلاشي، لأهنئك بما وصلت إليه! - »
... هنا طرت إليها، أستأذن مجالستها - أمتع ما خبرت من مجالسات - وفي غمرة حديثها نسيت نفسي: رنوا إلى العينين الزرقاوين في الوجه الشاحب، وأنصاتاً إلى الصوت الخافت الحنون، كأنما نذير من الغيب، همس في قلبي نبأ شؤم، أنكرته عليه!..
... كان ذلك عن حق، آخر عهدي بها.
ما آلم التصديق أنني إذ أزورها بعد اليوم، في الركن الظليل من غرفتها الخضراء، الذي لم أعرفها إلا فيه - ما آلم التصديق أنني لن أجدها هناك، خيالاً بين الوسائد، كان لعيني رمز القداسة والبهاء!.
★
بالأمس، ضمّ «آب» إلى قلبه، جوليا دمشقية الغالية، وغداً مع الربيع، عندما تتفتق الروابي عن غوالي دُررها، ألواناً وعطوراً، ستبعث «جوليانا» ورداً وياسميناً ويتضوّع شذاها في كل أرض.
أدفيك جويديني شيبوب
