هؤلاء الروّاد !
لكأن المجتمع ادغال متكاثفة ، ومجاهل معمّاة ، ورواسب تتراكم على الزمن ؛
لكأن ظلامها يلف عالماً يموج كما تموج عوالم الظلام . ومن فرط ما يغيّبها التكاثف تمسي وهي ينبوع للاسطورة والخرافة والوهم والظن - تحاك لا تنضب لها مادة .
لكأن أهوالاً هنالك دونها اهوال اليم العميق والغاب العتيق والوادي السحيق ؛ لا يدنو منها الا نادر البطولات التي تلعب مع الموت .
لكأن النور الانساني قد انطفأ او كاد ، فتحجرت الانسانية لا تنمو ، وتلكأت المواهب تجهل نفسها ، فأحرَ أن يجهلها الناس .
ويرى الزمن الموات حتى تجيء دفقة من دفقات البطولات الانسانية في انسان سويّ كسائر الناس على حدود المجاهل ؛ لكنها تختلف في ان الناس يرون الغاب الاجتماعي اصلاً ثابتاً لا يتغير ، وقدساً لا تنال له حرمة ؛ وفي ان البطولة تقابله وعلى شفتيها سؤال : « هذه الادغال ما هي ؟ هذه المجاهل ما كنهها ؟ هذه العوالم تموج في الظلام ، بمَ تموج ؟ هذه الاهوال ، من أين يتأتى لها ان تكون اهوالاً ؟ »
ثم هي تختلف من سائر الناس في ان السؤال لا يكتفي بنفسه . انه يريد الجواب . وتتجسم ارادة الجواب في الاقدام . ودون انتظار يتقدم الاقدام ليضرب الضربة الاولى في الادغال الكثيفة ، في المجاهل المعمّاة ، في الرواسب المتراكمة المتراكبة على الزمن ، وتفتح للشعاع كوّة .
وما تنفتح للشعاع كوّة حتى يتولى الشعاع بنفسه توسيع منافذه ، وحتى يكون من صفات الفجر تزايد النور فور انشقاقه - لا يبطئ .
ويعود الموات حياً ينبض .
ألا ، بورك الروّاد ! ان الانسانية ليطول امرها وهي تتحير وتتوالى اجيالها في حذر الرهبة حيال العوالم المغلقة والجمود المصمت . وفي لحظة من لحظات الامتلاء ينشق صخر اصمّ عن
دفقة بطولة تنفجر ؛ فيكون ينبوع يجري فلا ينضب .
ويرى الناس الينبوع يجري ؛ يجري لا ينضب ؛ فلا تخطر لهم خاطرة ان هنا كان صخر مغلق اصمّ . فكيف جرى الينبوع ؟ لكن الذين شهدوا الرائد عرفوا السر في انشقاق الصخر الاصم عن الينبوع .
شهدوا ذعر الناس من ان يستحيل الينبوع طوفاناً يغرقهم ، فأمسكوا عن الارتواء منه ورشقوه بالحجارة .
شهدوا جزع الناس من النور لأنهم ألفوا الظلام .
شهدوا تسفيه هذا الكافر الذي خرق حرمة الغاب المغلق .
وشهدوا ، كذلك ، صموده ومضيّه يتم مهمته .
لم أكن - شخصياً - من شهود اقتحام هذا الرائد - جوليا طعمه دمشقية - ادغال مجتمعنا ، وفتحه للنور كوّة . لكني كنت وقد فاض النور ، وجرى الينبوع - لا ينضب . كنت وبقايا الادغال الكثاف ما تزال ، ومهمة الصراع البطولي لما تنته .
دخلت هذا المعترك وقد اصطلح المجتمع على توزيع التفتح النسائي على ثلاث من رائداتنا : سلوى سلامة في رقة الشعر ، ولبيبه هاشم في جمال الخط ، وجوليا طعمه في حسن الالقاء . فقد اتخذت جوليا - كما اعلم - وثبتها الاولى من طريق المنبر ، فسمع الناس لأول مرة خطيبة من فوق منبر تدعو الناس الى الاصلاح الاجتماعي ، وفي مقدمته اصلاح حال المرأة من طريق تعليمها .
قد لا نستطيع اليوم - والجامعات ترجي على العالم العربي موجات من ذوات الثقافة العالية - تقدير هذه الدعوة . فعلينا ، لتقديرها وصحة وزنها ان نعود القهقرى خمسين عاماً ، وان نتصور الخدور ذوات السجوف الثقال ، والنوافذ ذوات الشبكات الكثاف ، وملك اليمين الذي كان يقرر علاقة الرجل بالمرأة . علينا ان نتصور كل هذا لندرك أية بطولة جنان يجب ان تتصف بها صبيّة في ريق الشباب كي تصعد منبراً ، وترسل دعوة ، وتدلي بحجة في موضوع المرأة في مدينة كصيداء ، فلا ترتعش ولا يضطرب صوتها ولا يجور . وما كان هذا الا النداء الأول المؤذن برسالة طويلة حملتها جوليا ، فما استراحت حتى كان قد تسلم المشعل منها جيل يتلوه جيل من حاملات النهضة النسائية قدماً الى اهدافها ، وحتى بورك جهادها بأن رأت من حصاد غرسها فوق ما توقعت .
راحت جوليا تتوسع برسالتها ، وفيها روح المنبر دائماً ،

