وعلى الرغم من تلك الآلام ظلت عقداً كاملاً من السنين ، او يزيد ، حتى ساعاتها الاخيرة ، على هذه الارض ، تطلق من وجهها النحيل المضيء ، ونفسها المطمئنة ، وعينيها الذكيتين ، آيات محبتها ، وتشجيعها وحثها ، وصفوة تجربتها لمن حضر ومن غاب من المجاهدين والمجاهدات ، في سبيل حياة افضل ووطن اقوى واسلم للمرأة والرجل على السواء .
يسير على من شاء ان يرتد ببصره الى اوائل هذا القرن ، فيرى - وهو يعرف اليوم ما يعرف - ان هذا التطور في حياة المرأة اللبنانية ، والمرأة العربية عامة ، كان شيئاً مقدوراً يحتمه منطق الاجتماع .
ولكنه اذا خلا الى نفسه ، طهرها من شوائب الهوى ، واعاد النظر في هذا الحكم ، ادرك ان الفئة القليلة من رواد هذا التطور الاجتماعي ، في مطلع القرن ، لم يكن لها ، يوم وضعت اقدامها على اول الطريق الوعر من شيء مكفول سوى شدائد النضال وآلامه ، ولا من جزاء مكفول سوى الشعور بطمأنينة النفس ، الى انها فيما تفعل ، انما تشارك في حرب غرضها تحرير نصف الامة ، واطلاق قوتها الخيرة المدخرة فيها ، للعمل المنشيء ، وان ذلك حسبها . شأنها في ذلك شأن جميع الرواد في كل عصر ومصر . مجدهم هو مجد الآباء في ابنائهم ، وغبطتهم هي غبطة المعطاء لان العطاء سر كيانه ، وجزاؤهم هو جزاء العامل في صفحة الصخر الصلد طوال الليل الداجي ، يحفر فيه مواقع الاقدام ليرتقي عليها من يجيء بعده الى الاعالي - الى مطارح الضياء في هذه القلة المصطفاة ،
التي مهدت لتحرير المرأة العربية ، في زمن كانت فيه « الطريق غامضة على الرواد » كانت فقيدتنا الغالية في الطليعة .
لم يكد يبلغني نبأ وفاتها ، حتى شرقت بالدمع ، ولكنني لم ألبث حتى رأيتها حية نابضة ، في مراحل متوالية من حياتها النافعة ، خلال ست وثلاثين سنة ، عرفتها بها فانتثبت ارتل لنفسي مع خليل مطران - رحمة الله عليه :
ما اعجز اللسن الفصيح لدى
ما في لسان الميت من بكم
ما اسخف العبرات ساكبة
والنعش يحجب وجه مبتسم
فلم احزن بعد ذلك ، لانها انطلقت من إسار الحياة ، بعد جهاد مشمر ، ولكنني حزنت على نفسي ، لاني لن اجدها في مكانها بعد اليوم ، لتجدد في
عزماً قد نبا ، او لترد اليّ بشاشة بعد تقطيب ، او لتجعلني ، بنظرة او كلمة ، وانا اكبر في عيني نفسي ، لاني جلست معها ، وحسب المرأة الفاضلة - ثمنها يفوق اللآلي . رحمة الله عليها .
اخي نديم . لقد حملت في حياتك العامة ، في الشرق والغرب ، رسالة لبنان المضمخة بعطر المحبة والسماحة والاخاء - اخذتها من كنف امك وابيك بعد ان اخذاها من سر لبنان ، وطوبى للبنان بمن يتخذها من ابنائه قبلة وديدنا . وقد كنت في حياتك الخاصة ايضاً - ولا تزال - عنواناً على هذه الفضائل . هذا مجد الآباء في ابنائهم . ادعو الله ان يسبغ عليك وعلى شقيقتك وجميع ذويك ، نعمة الصبر ، ويلهمنا جميعاً ان نتعزى عن فقدها بأن ننتفع بذكريات فضلها - ان الله اكرم مسؤول .

