كانت أغرب شخصية عرفتها .. ضعيفة قوية : عليلة صحيحة .. استطاعت أن تجذب إلى غرفتها المظلمة وسريرها الساكن أسماع الناس وأبصارهم .. إنها من الشخصيات التي لا تنسى .
أمس انفصلت حبة رمل من بين الرمال وغاصت في أعماق اللانهاية . انفصلت رملة كانت جبارة صلبة .. تفلتت روحها من الغلالة الشفافة المسماة جسداً .. فتركت ذلك الواهي مقيداً إلى سريره وحلقت خارج أجواء غرفتها .. تضج فيلهج المجتمع باسمها .. لا كأنثى مريضة لا تصلح لشيء .. بل كروح قوية تصلح لكل شيء .
وبدا كأن الموكب سيسير كالمعتاد زاخراً نشيطاً .. كأن حبة من رماله لم تذهب إلى غير عودة .
ولكن الموكب في الواقع كان يفتقد حبة الرمل الصلبة المشعة . كان يفتقدها كقائدة مفكرة موجهة .
ويفتقدها كإنسانة حملت مع آلامها القاسية آلام الناس واستطاعت أن تخففها .. كانوا يدخلون غرفتها وفي قلوبهم مرارة وفي قواهم خور .. ويخرجون وقد مسحت اليد المعروقة الناعمة جباههم .. وبث الصوت الخافت في نفوسهم قوة وشجاعة .
ويفتقدها الموكب كروح جريئة تسامت فوق الفوارق .. وفهمت الدين كما فهمه جبران عندما قال : « المتدين لا يتمذهب .. »
يفتقدها موكب الرمال كحبة تميزت بالأقدام فسارت في الطليعة .. وتميزت بالجلد فاحتملت دون تذمر .. وتميزت بالانعتاق والنور فسبقت عصرها بمراحل ..
سيذكرها لا « كحبة رمل من حبات » بل كحبة من نوع غريب صلب العنصر .. النوع الذي تتكون منه الصخور عادة .
سيفتقدها دائماً الموكب السائر إلى اللانهاية ..
فعزاء لأسرتها .. وأصدقائها .. ومحبيها الكثر .. عزاء بأنها لن تنسى .


