

كنا في ظهور الشوير ، خمسة شبان ، الطبيب نقولا ربيز ، والصحافي داود بجاعص ، والمحامي جبرائيل نصار ، والاديب نجيب بركات ، وكاتب هذه السطور .
نتمشى على الطريق العام ، في ايلول ١٩٠٦ من ثماني واربعين سنة .
فرأيت ، في محلة عين البستاني ، صبيّة ، تطالع مجلة المقتطف .
وكانت مطالعات هذه المجلة ، العلمية العظيمة ، في بيروت ولبنان ، حينئذ ، اندر من النار .
عرفت منهن ، يومئذ ، المرحومات ، ساره خير الله ، وهدى الصليبي ضومط ، وليزا ثابت الحوري ، وأمي جوليا داغر باز ، وكاهن في سنّ الكهولة .
فاستعظمت الصبية ، مطالعة ، اعظم مجلاتنا العربية . بل من اعظم المجلات ، علماً وادباً ، في العالم .
وفي ذات اليوم ، اجتمعت بها ، في المعرض ، الشويري ، وتعارفنا .
فعلمت انها معلمة في مدرسة الفردوس في برمانا ، ومصطافة مع عائلة رئيس المدرسة ، مستر توما لتل ، وزوجته مسز لتل ، واولادهما .
ولحظت فيها ، استعداداً جيداً ، للاقتباس ، والاستفادة ، ورغبة اكيدة في النفع العام .
وكنا نتنزه ، احياناً ، واولئك الشبان ، معاً ، وجوليانا محدثنا .
حتى كاد بعضنا ، يشك في بعض ، ما كانت رفيقتنا تبديه ، من حسن الشعور ، مع البؤساء ، وتعمد العمل ، على افادة المجتمع .
وصدف مرة ان ذهب معنا الى عين الصرفد، صديقنا الاستاذ عزيز الغرزوزي ترجمان سفارة اميركا ، في ما بعد .
والمرحومة جوليا معها دفتران .
سألتها ، متطفلا ما فيها ، من ادبها ، فعلا وجهها احمرار الحجل .
فالححت عليها ان تقرأ لنا شيئاً ما كتبت ، مستأنساً من احاديثها بانها كاتبة .
والحّ معي غرزوزينا ، فاستحت وتلت علينا بعض كتاباتها .
فاستحثيناها ، وحرضنا الكاتبة على متابعة الانشاء وموافاة الصحف ببنات افكارها .
فبدت عزة نفسها ، بقولها ، اخشى ان يزدريني الناس ، اذا لم يستحسنوا ما اكتب ، او يتهموني ، بان ابي يكتب لي وانا اوقع اسمي . وانا اود ان ابدو كبيرة من اول مرة .
وصحّ ظني بأدبها وبواهبها . فكلفتها الخطابة ، في ثلاث احتفالات ادبية ، في بيروت وبحمدون وطرابلس عام ١٩١٠ فنالت اعجاب السامعين .
واخذت فقيدتنا الكريمة ، تشق طريقها ، في عالم الانشاء ، الخطابة ، والكتابة . حتى صار يشار اليها بالبنان ، ويردد اسمها كل لسان .
حسبها من فضلها وادبها « جامعة السيدات » و « المرأة الجديدة » واستمرارها خطيبة اربعين سنة ، وكاتبة خمسين عاماً .
رحمها الله