مكافحة في سبيل حقوق المرأة، والعروبة، والوطنية، حيال فتاة غربية يشاركها ابنها الوحيد. وعهدي بأغلب المكافحات في سبيل حقوق المرأة عندنا في بريطانيا، وربما في العالم كله، انهن ذوات جفاء وخشونة، حتى لينسين انوثتهن ايضاً.. ويرين الحياة من زاوية صارمة جامدة.. ولا بد ان تزيد هذه الصفات شدة في الشرق..
وحدثت نديم عن مخاوفي في هذه، وكانت تردده احياناً يشعرني اني على حق.. ولكن ذات يوم دخل عليّ متهللاً ومعه خطاب طويل، قال انه تلقاه من امه، فقد استجمع شجاعته وكتب اليها يروي قصتنا، وعزمنا على الزواج، وجلسنا نقرأ الخطاب معاً.. وكنت قد تعلمت من العربية في المعهد المصري بلندن، ما كان يعينني على القراءة بمساعدة زوجي.. واخذت بالخطاب. فقد كان قطعة من الادب الانساني الرفيع.. وكان من ارق ما فيه نصيحتها لي بأن ادرس العربية، لان حماي لا يتكلم سوى العربية، وهي تريد ان يتم التفاهم بين كل افراد الاسرة. وترجمت الخطاب للانكليزية، ونشرته في احدى المجلات الادبية.. وقدر له ايضاً بعدئذ ان ينشر في صحف لبنان، وان يذاع من اذاعتها.. انه يحوي نصيحة مثلى لاي شاب مقدم على الزواج. وكانت هذه هي البارقة الاولى التي تبدت لي من روح حماتي!
«وتزوجنا في لندن.. وكان الجميع يحدثوني عن حماتي.. كميل شمعون، وحميد فرنجية، وعبد الحميد كرامي، ورياض الصلح.. وكل لبناني اقابله.. وكلما حدثوني عنها، ازددت رهبة..
حتى حل اليوم الموعود، واخذت الطائرة تهبط بنا في مطار بيروت، وبدأت احس فزعاً حقيقياً، وأتنى لو يحدث المستحيل وتقلع الطائرة بنا مرة الى مكان آخر غير لبنان.. وبينما كان زوجي فرحاً، يشرح لي جمال بيروت من السماء، كنت انا في عالم آخر، افكر في حماتي.. هل ستكرهني؟ هل ستشيح بوجهها عني؟.. هل يمكن ان تحبني؟..
ونزلنا من الطائرة، وقابلنا الجميع بترحاب، وكان اكثرهم ترحيباً بنا «حماي»، وشعرت من حنانه ورقته نحوي، اني كسبت نصف المعركة..
روح قوية .. في جسم مقعد!
«وحماتي سيدة مقعدة، تعيش في سريرها منذ عشرين عاماً، اثر حادث أليم.. ولكنها وهي في سريرها - وانا افضل ان اسميه عربتها - على اتصال بكل شيء في الحياة.. وقد دخلت وانا ارتجف، واذا بي افاجأ بمنظر رائع! كانت سيدة جليلة، مهيبة، وضاءة.. نظرت اليّ نظرة لم تستغرق دقيقة ولكنني ادركت انها اخترقت روحي،
وانها قد وزنتني بها، وعرفت عني كل شيء.. ثم ابتسمت ابتسامة من نور، وفتحت ذراعيها قائلة: «تقدمي ياعزيزتي» وقبلتني قبلة عذبة، وقالت: «سنكون صديقتين حميمتين» وقد كان!
ولا استطيع ان اصف، او انسى، السعادة التي شعرت بها يومئذ.. فلقد كانت سعادة غير عادية، ومن نوع غريب.. وقد شعرت ان في هذه المرأة سراً آخر! ان لقاءنا قد اضاء شرارة في روحي ستظل مضيئة على الدوام!
زوجة .. تلميذة حماتها!
ومنذ تلك اللحظة بدأت علاقتنا وصداقتنا، وتعلمت منها اثمن دروس حياتي.. فآمنت بالانسانية، وبالمرأة، وبالشرق، لا كخرافة، ولكن كحقيقة عليا.
ولقد عشت عامين طويلين معها في بيت واحد، وكانت متعتي الكبرى ان اجلس اليها في غرفتها، وهي على سريرها، واستمع اليها، تحدثني او تحدث غيري، بالانكليزية، او بالفرنسية،
( البقية على الصفحة ٤٨ )

