نهاد يا حبيب تاتا ، انت بعد انتصاف هذا الليل ، ستودّع عاماً آخر من حياتك ، وعند الصباح ، ستطلّ على دنيا الشباب التي ، لا شك ، يشوقك بلوغها لما فيها من المشوقات ، والمغريات الخلابة ..!
اني لو كنت محلك يا نهاد - بعد اختباري الطويل بالحياة - لما استعجلت انتهاء هذا الدور الذي انت فيه قبل ان أعدّ العدة الكافية لبلوغ طور الشباب - هذا الطور - الذي يتمثل فيه العبث واللهو الجذاب ، الى جانب الجدّ ، والنشاط اللذين سيصطدمان عند كل عطفة من عطفات الحياة ....
إنك ولا شك على علم ان نشاط الشباب كان ولا يزال جذاباً مغرياً ، كما وانه رجاء الكون ، ومطمح انظاره ، ولكن علينا بنفس الوقت ، الا يغيب عن اذهاننا ما يرافقه من اساليب اللهو
والعبث ، والملذات الجسدية والمادية التي تطوح بالعدد الأكبر من شباب اليوم فتعمي ابصارهم لدرجة - توهمهم بانهم ، هم وحدهم ، اسياد نفوسهم ومصيرهم وان لهم وبيدهم ، الحق للعب من جميع موارد الحياة غثّها وسمينها دون اي رادع او رقيب - وهم يحسبون ان الدنيا وما فيها وعليها ، تحت اقدامهم . وهكذا تتضافر - كما هو يجري اليوم - جميع المغريات ، وما اخطرها ، لانتزاع الشباب من بيئته الصالحة وما يكمن في اعماقه من ميول صالحة الى مهاوي الغواية والفساد !!!
نهاد ! بالله عليك يا تاتا اصغ الى هذا الرجاء الذي أسوقه اليك حاملة معه كل ما املكه من عاطفة الامومة ، ان تدرس سطوري هذه بتمعّن وروّية ، لا مرة واحدة بل عدة مرات ، قبل ان يرتفع ستار السنة السابعة عشرة وكلما اختليت بنفسك ، واستشعرت بوادر الضعف فيك .
حذار : ان تستخفّ برجائي ، كوني أودعه حبي الشديد لك ، ولأمّك ،
ولأبيك ، وبأمل لا حدّ له ، يرافق ساعاتي الأخيرة ان تكون يا نهاد قرّة لعيونها وعنواناً لفخرها في جميع اتجاهاتك .
لا ! لا اطمع لك بمصارعة القدر بما لم تساعدك اليه هباتك العقلية بل من الوجهة الخلقية ، فانك ولا شك - اذا اردت - ستبرز من هذه الناحية ، وقد استشعرت باستعدادك للفوز من هذا القبيل في حديثنا الأخير - أتذكر ؟؟
لم أراك في حياتي كما رأيتك في خلوتنا الأخيرة فقد كنت تتدفق طموحاً وحيوية ، وسعادة ، بينما كنت تقصّ عليّ تقدير اساتذتك ورفقائك لك ! أفليس هذا النجاح الخلقي والمسلكي لأثمن من جميع كنوز الارض !!
فلم يبق عليك اذن ، الا ، ان تستعرض حالاتك الجثمانية ، والذهنية ، والنفسية ، من وقت الى آخر وان تدخل عليها التعديلات التي تمكنك من السير الى غايتك ، وتتفق مع طبيعة الهدف الذي تصبو اليه .
واخيراً يجب ان تتأكد وتضع نصب عينيك بانه لا يمكن تحقيق هذا الهدف الا اذا هيأت نفسك له بتنظيم اوقاتك ، اوقات الدرس ، واوقات راحتك ، ونومك ، تنظيماً يمكنك من سلوك السبيل الذي يوصلك الى مركز مرموق ، ومحترم ، بين قومك .
وانك لواصل باذن الله الى ما تريده ، ونريده لك . يا حبيب

