واخيراً ، واخيراً ، قد امدّتني العناية بقوة للانعتاق من حيرتي ، والنزول عند ارادة اولادي ، وغيرهم من الصديقات والاصدقاء ، الذين كلما ألحّت بي دواعي المرض ، ألحوا هم علي بضرورة تدوين ذكرياتي ، وجمع شتات بعض ما نشر لي في الصحف على مدى السنين ـ ولو ان الدهر بنظري ، قد أكل عليها وشرب .
قد حاولت عبثاً اقناعهم بأن الزمن قد تغيّر ، ولم يعد يرضى الا بما يتماشى معه جدّة واتقاناً ، وتحلّقاً ، ولكن بدون جدوى . وكأني بهم ـ وهم يتشبثون برأيهم على هذا النحو ـ يستشعرون قرب المغيب ـ فيرغبون ان اترك لهم شيئاً جديداً من نفسي ، يضعون اليد عليه ، بعد غيابي ، « للذكرى » ، ولو جاءتهم هذه الذكرى سقيمة هزيلة كاليد التي ستنسج خيوطها !!
اما الرفض البات ، فأنه يحتاج الى قدر كبير من الشجاعة السافرة مع التصريح بالأسباب الخصوصية ، المتشعبة الداعية اليه . وهذا ، مما لا شك عندي يثير الشجون والأسى في كلا الطرفين ..
نعم ان اولادي ، والمتصلين بي عن قرب ، يعرفون مدى ما اقاسيه من الآلام الجسدية ، والمعنوية ، ومع هذا ، فهم يتغاضون ، وعلى إصرارهم ، والحاحهم دائبون ...
فيا لحبهم ، ! واندفاعهم النبيل الذي لم يخفض من حدته تعاقب السنين للترفيه عني بكافة الطرق ، والوسائل التي لطالما استملكت عواطفي فيما مضى ، وأسعدت مشاعري ..
أو لم يكونوا على علم منذ ان كانوا صغاراً بأن التحدث الى بنات بلادي سواء أكان بقلمي ، او لساني ، قد كان ملهاتي الوحيدة المفضلة في جميع ادوار حياتي . ؟ !! ..
وهكذا ، بعد اخذ ورد ـ لم يخل من الجدل احياناً ـ قد حملت معي مساء الامس هذه الفكرة وتوسدت واياها مقرّي الدائم ـ سريري ـ ولكن ليس للنوم طبعاً ـ فقد ظلت الفكرة نفسها تراودني الليل بطوله تؤانسني طوراً بما يتغلغل فيها من حب صادق ، وعطف دافق ، وطوراً تشقيني بما انا عليه من هزال مُلحّ ، وضعف شامل في جسدي ، وعدم كفاءتي العقلية للقيام بأي نشاط فكري يصلح للتدوين والبقاء !! .
وهكذا قد بقيت على هذه الحال موزّعة الفكر ، والخاطر ،
حتى بزوغ الفجر العميق ـ وهي الفترة التي تعقب الظلام ، وتستعد لاستقبال شمس النهار .
إنها ولعمري ! فترة عزيزة جداً عليّ كونها الوحيدة الباقية لي لأجمع في اثنائها افكاري ، وارسم خطة للعمل بموجبها في نهاري المقبل ، بينما هي لا تتجاوز العشرين او الثلاثين دقيقة على اكثر تقدير ـ وذلك ، تبعاً للعلاج المنوّم الذي اكون قد استعنت به قبل ذلك ـ . !!
اما هذه الصبحية بالذات ، فقد تغير بي الوضع بتاتاً . فقد استقبلتها وانا منهوكة القوى من جراء هذا الليل المثقل بالحيرة والتردد ، فما ان اطلت عليّ أضواء النهار من النوافذ حتى تمالكت على نفسي ، واستويت في سريري مصمّمة تصميماً جازماً على ألاّ استقبل صبحية اخرى مماثلة دون ان يكون لديّ الجواب النهائي في الموضوع .
مِن عَفارة الفجر
ومن ثم ارتفعت بذاتي الاخرى نحو تلك القوة العليا، الى الله تعالى، استوحيها الخطوة الاولى التي يجب ان اسلكها لتتمة الرسالة التي اخترتها لنفسي منذ ان شعرت بوجودي. وما هي سوى لحظة ، حتى امسكت قلمي وتناولت ورقة مهملة قد ضلّت طريقها الى ( الكومودينا )
المحاذية الى سريري . ثم دونت عليها ، ولو بصعوبة كلية ، الموضوع الذي نزل عليّ بما هو اشبه بالوحي ( من عفارة الفجر ) وفي الحال ذيلته بهاتين العبارتين التاليتين ليكون لي منهما الدعامة يتعكز عليها تفكيري عند كبوة الفكر وخور العزيمة .
الاولى ـ ان الحياة لهي اثمن جداً من ان يسحقها الخوف ، والفشل ، قبل ان نلفظ النفس الاخير بأمر من الكائن الذي قال لنا : « كونوا فكنا » .
الثانية ـ كل عمل نؤديه معنا كان وضيعاً ، لهو افضل من الجمود او الحيرة المضطربة المترجوحة .
وعلى هذا فها انا سأسير الهوينا بعد اليوم باضافة بضعة سطور عند مطلع كل فجر ، اشهد الله وضميري بان خدمة « ابنة بلادي » ترافق انفاسي وان حب الانتاج المخلص ، ولو جاء هزيلاً ناقصاً ، لهو معول ايماني ، فسواء اخطأت ، او احسنت اليها والى نفسي ، او اسأت الاداء والتعبير ، فان ما سيخطه قلمي ، ولا شك سيكون صادقاً وصريحاً يعبر بكل بساطة عما
