عانته هذه الجدّة ، والام ، والاخت ، التي تخاطبهن الساعة هذه ، بينما هي على عتبة الرحيل ، وعما عانته جدّ اتهن وامهاتهن اثناء الحقبة التي استغرقت عدة اجيال ، ولا يزال الكثيرات منهنّ بالرغم من مدنية قرن العشرين الحاضر ، يرسفن حتى كتابة هذه السطور ، تحت قيود الاستعباد والجهل المشين .
لا مراء ! ان لبعض الالفاظ قوة كالسحر في نفوسنا فيما لو ألهمناها في الوقت المناسب او الساعة الحاسمة التي يضطرنا فيها الامر للبت في قضية هامة ، او لتقرير هدف معين نريد تحقيقه !!
ان هذا ما جرى معي صباح الامس بينما كنت أعاني ازمة نفسية حادة ما كنت لأخرج منها على سلام لو لم يرد الله لي خيراً ويفاجئني باللفظة التي هي من صميم حياتي ولها يعود الفضل الاول في تكوين شخصيتي منذ ان كنت ما بين السنة السادسة والسابعة من عمري وهي « التعفير » .
لا ! وحقّي ! ما كنت لأوفتق لولا عناية الله لايجاد هذا العنوان الذي يشفع بي من حيث دلالته ، ومعناه ، او ما هو اصدق تعبيراً ، واو في انسجاماً مع ذكرياتي الخاصة ، قديمها وجديدها ، الباهت والزاهي منها ، كهذا العنوان الذي يدل دلالة واضحة على ما ساعانيه في سبيل العثور على ما بعثره الزمن بين ثنايا السنين وحوادثها المتعاقبة ، وما هشّمه المرض الطويل الامد بين حنايا ضلوعي فاطاح في جلائها وزهوها ! فما كادت عيناي تقع على موضوعي الجديد :
« من عفارة الفجر »
هذا الذي سال حبراً على ورق امامي بحركة اوتوماتيكية مفاجئة صبحية امس ، حتى افتتحت امامي شتى الذكريات
لطفولتي ، وفتوتي ، وفي طليعتها عملية ( التعفير ) التي تعاطيتها بجسدي ، وروحي ، مسوقة آنئذ بشيء من الادراك وبكثير من الالم الروحي سأجيء على ذكر بعضه في حينه !! بعد ان ألمح بصفة مختصرة لعملية التعفير الذي انبثق منه موضوعي على هذا الشكل المفاجيء السار « التعفير » .
لا استبعد قط ان يجهل العدد الاكبر من نسائنا المتحضرات اللواتي لم يعشن في الجبال ما هو ( التعفير ) او يدركن شيئاً عن اهميته لاهل القرى البعيدة عن السواحل . فهاكم انا مع كوني بنت القرية في الاصل وقد كان ( للتعفير ) شأن ماسّ بحياتي ، قد غابت عن ذهني طيلة هذه العشرات من سنوات دهري ، دون ان ينطق به فمي او اذكر له شأنا حتى ولو بإشارة عابرة عن مدى الاثر البالغ الذي تركه في نفسي مع انه بكر ذكرياتي !!
ولا غرو - فالتعفير كلمة متواضعة
لا يعنى الناس بها لا بكثير ، ولا بقليل ، فقلما نستعملها او نقرأها ، وهي العملية التي تمارسها الفتيات القرويات لسد الرمق منذ اجيال . وقد جاء ذكره قبل ظهور المسيح بألف وخمسمائة سنة في سفر راعوت ولا يزلن بعد حصاد الاغلال من كل سنة كالقمح ، والحمّص ، والفول وما اشبه ، كما بعد قطف الاثمار كالتفاح والزيتون والاجاص . وهؤلاء المعفرات لحسن الحظ لا يلاقين اي اعتراض من النواطير واصحاب الاملاك فيلملمن ويجمعن ما تبقى وتغلغل بين ثنايا الارض والشوك والعليق من هذه الاغلال والثمار التي لا تروي من عطش او تشبع من جوع ولكنها تيسر لهنّ شراء ما يشتهينه من ادوات الزينة الرخيصة كالمنديل ، والحلق ، والشريطة ، والعقد هذه ، وخزنها « للجهاز » او لبسها في ايام الاعياد - هذا ، اذا سلمت من اضافتها الى زاد العائلة التي كثيراً ما يضطرها ضيق الحال اليها .