أمنية أم ..
جلست وحيدة قرب النافذة .
يتقاسم نظرها .
ثوب وإبرة بين يديها .
وكتاب مفتوح على الطاولة إزاءها .
وطائفة من عاملات النحل تهوم في
الحديقة أمامها ..
على شفتيها طيف ابتسامة هادئة لا
تعرفها سوى شفتي أم .
وفي خاطرها يمور خيال جنين لم ترَ
عيناه النور بعد .
يا حلاوته يوم يولد ويملأ جوانحها
سعادة ..
★
ونشطت عاملات النحل وأخذ عينها
يأتلف نغماً عذباً يسري في أوصالها
ويملأ عينيها حتى بدت تستحيل الى
مخلوقات لطيفة نورانية تتجمهر أمام
النافذة وتتكلم اليها ...
فتوقفت الإبرة ..
وصمت الكتاب ..
★
« أنا الصحة » قالت إحداهن : « ألمس
الجنين فتجري العافية دماً وردياً في
عروقه ، لا مرض يدانيه ولا أعباء ،
يمشي ولا يتعب ، يركض ولا يعيا » ..
« لا » قالت الثانية : « أنا الغنى . دعيني
ألمس جنينك فأملأ خزائنه من ذهب
الأرض وخيراتها ، فلا يعرف العوز
كفه ، وكل مشتهى قلبه ينال » .
« أنا الشهرة » قالت ثالثة : « ارفعه
علماً فوق الأعلام ، فيكون ملء السمع
والبصر ولا سفر الخلود اكتب اسمه » ..
« أنا المحبة » قالت أخرى : « أعظم
ما في العالم ، ألمس الجنين فلا يسير
وحيداً في قفر الحياة والظلمة مثل النهار
أمامه تضيء ، يطلب معونة فتمتد اليه
الأيدي بالألوف » ..
وشعرت الأم بالجنين يضطرب في
أحشائها ..
« ولكن أنا الذكاء » قالت خامسة :
« ألمسه فأفجّر فيه ينابيع العبقرية ، وكل
ما يعمل ينجح ، شأنه شأن الجندي الباسل
والسياسي الحكيم والمفكر المتزن
والأديب الألمعي الذي لم يولد قبل
زمانه ولا بعده ، ومرارة الفشل لا تجد
الى قلبه سبيلاً » ...
وأخذ النحل يضج حول رأس الأم
المدل كل يريد أن يلمس الجنين أولاً .
إلا أن خيال نحلة حلوة كانت تشق الفضاء
كخيط من نور مسرعة ، وتقف أمام
الأم صامتة ثم تمد يدها لتلمس الجنين ،
فتراجعت هذه مذعورة وهي تسأل :
ماذا تريدين أن تعطي جنيني ؟
فأجابت : « ليس كما تعطي رفيقاتي
أعطيه .. سوف لا أمنحه عافية تورّد
خديه بل حمى آكلة يشفى منها عندما
تشفى حياته ..
ولن أمنحه غنى لخزائنه بل حينما
ينحني أمام المال ليمتلكه ، يشرق فوقه
نور سماوي ، والمال الذي بين يديه يخبو
نوره ويختفي ..
سوف لا أعطيه شهرة وإنما سأجعل
طريقه في قفر بلقع يتقصى أثراً لا تراه
عين إنسان سواه ، خطته إصبع إنسان
فوق كثبان الرمال ..
وأما المحبة فسيطلبها بشوق ولا
يجدها ، نورها الغرار في الآفاق البعيدة
يجتذبه فيسير اليها وحيداً ودون حكم .
فقاطعته الأم قائلة : « لكن هل
ينتصر » ؟
فأجابت « سيكون الفشل حليفه ،
وحينما يجري مع الآخرين الى الجعالة
يستبقونه اليها . أصوات غريبة تناديه
وأنوار عجيبة تومئ اليه وتشير وعليه أن
يقف ويصغي .. وأغرب من كل هذا
يرى بحراً لازوردياً في القفر حيث لا
يرى غيره سوى السراب .. والرمال
تحت قدميه تزهر .. ومن البحر تنبثق
جبال عالية ذوب الذهب يكللها كالثلوج .
« وهل يصل الى تلك القمم » سألت
الأم متلهفة
فضحكت النحلة في سرها ولم تجب .
وعادت الأم تسأل « بالله .. أحقيقة
ما تقولين أم خيال ؟ »
فأجابت : وما هي الحقيقة ؟ ؟
فتفرست الأم في وجهها ثم قالت :
« ألمسي » ..
فانحنت على الجنين النائم وهمست في
أذنه كلاماً سمعت الأم بعض آخره :
هذه هي مجازاتك ، ينبوع الرؤى
في عينيك لا ينضب والأمثل يكون
حقيقياً لديك »
فتنفست الأم تنفساً عميقاً واضطرب
الجنين في أحشائها .. لقد كان هو يحلم
أيضاً بحلم ، ففي عينيه اللتين لم تشاهدا
النور وفي دماغه الصغير الذي لم يكتمل
بعد كان يتململ شعور مرهف يتلمس
منفذاً الى النور .. نور لم يره قط وربما
لن يراه .. لكنه حقيقة كائنة في مكان
ما من مجاهل الوجود ...
ومن يدري .. ربما نال مجازاته وهو
جنين بعد ...
يعقوب حوراني