منذ لمع اسمه في عالم الاطفال ، انطبعت له ، في ذهني ، صورة خاصة ، هي اشبه بـ « بابا نويل » ، منها بصورة انسان من عصرنا ، يعيش في العاصمة ، فيبرع في التجارة ، حتى يفوق امثاله من اسلافنا البارعين .
ثم سمعت من بعض الناس الذين سبقونا الى الحياة والى اليأس من اصلاح الناس فيها ، ان بابا نويل هذا ليس سوى « شاويش » سابق في الدرك ، كان يعرف بلقب غريب هو « نصف ربنا » . حينئذ تبدلت معالم تلك الصورة المحببة عندي ، واستحالت قسمات « بابا نويل » في مخيلتي الى تقاطيع واحد من رجال السلاح الغلاظ . وفجعت في الوقت نفسه باعز احلام الصبا ... في سن مبكرة . ولكني ظلت برغم ذلك اتزود لكل عيد من ألعابه ومفرقعاته ، شأن سائر الاولاد في المدينة . فلما صرت اباً لم استبدل صاحبي بسواه من تجار هذه الالعاب . مع انهم تكاثروا عقيب الحرب الثانية ، كما تكاثر بياعو النظارات . وظلت صورة « الدركي » المحارب تحتل في مخيلتي مكان « بابا نويل » الوديع المسالم .
وكنت اقول لاولادي مردداً ما سمعته ، دون ان اتحقق بنفسي منه او اسعى لاثباته :
- اشتريت لكم هذه الالعاب ، من مملكة « نصف ربنا » !
فيضحكون ، ويجدون في تلك « العجائب » الصبيانية ما يبرر هذه التسمية . الا انني كنت اسارع الى شرح السركي لا تخدعهم المظاهر :
- نصف ربنا ... هذا رجل عاش دركياً ... وانتهى شاويشاً ! ثم اخرج من السلك لانه ... متكبر لا يطيع اوامر رؤسائه !
فيقول الصغير الذي يستمع الى احاديثي باهتمام وانتباه :
- مثل السواقين لا يطيعون احداً حتى القانون !
تماماً ... ولكن رؤساء ذلك « الشاويش » تضايقوا شخصياً منه ... فصرفوه . ولو كانوا يتضايقون شخصياً من السواقين ...
لادبوهم وفرضوا عليهم تطبيق القانون !
قلت هذا ثم انصرفت مع اولادي الى اضاءة الانوار العجائبية ، والاسهم النارية التي تنشر في الفضاء نجوماً واغصاناً كنجوم السماء وسعف النخيل . فيخيل الينا في لحظات ان قبة الفضاء قد اقتربت من سطح الارض او ان حدائق هذه الارض قد تسامت حتى تعلقت باجواز الفضاء ! ألم يبن الاقدمون الحدائق المعلقة ؟ ألم يهبط آدم وحواء من الجنة الى الارض ؟
ويبلغ السرور ذروته عند الصغار ، وكلهم يتخيل « بابا نويل » على الصورة التي علقت خطوطها بذهنه ، بعد كل تعريف في كل عيد . الا ذاك الصغير الذي يتأثر بي اكثر من سواه ، فكأنني الصوت وهو الصدى ، فقد قال لي جاداً :
- وكيف يتمكن « جندرمة » قديم من صنع هذه العجائب ، ولو كان شاويشاً ... الجندرمة كلهم عاجزون عن منع جارنا البقال من الصراخ وازعاج اهل الحي فكيف يصنعون « شيئاً » اهم من ذلك ؟
كان السؤال محرجاً والتهكم لاذعاً ، ولاسيما بعد ان كنت قد لجأت في الواقع الى جميع السلطات المختصة ، والى وجدان البقال نفسه ، بسبيل منعه عن الصراخ المستمر للاعلان عن بضائعه ... فقلت للصبي وانا اداوره :
- الشرطة ... هي المسؤولة وليس الدرك عن الضجيج الذي يقلق راحة السكان ! ومع ذلك ... فان « بابا نويل » قد ترك سلكه السابق ، وانصرف الى اتقان عمله الجديد ... فبرع فيه !
كان هذا قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية . وكانت بلادنا تعج بجنود الحلفاء الذين تعاونوا في الغرب لكسب المواقع الحربية ثم تخاصموا في الشرق بسبيل احتلال المراكز الاستراتيجية . وقد اتيح « لبابا نويل » في اثناء ذلك ان يوسع تجارته ، ويكسب من الاموال مبالغ جعلته في عداد الموسرين الكبار : فهنا دارة يبنيها كي يسكنها ، وهناك « ناطحة سحاب » ينشئها

