كي يؤجرها فيزودها بالمصاعد الكهربائية وبوسائل تكييف الهواء . وهناك أراض يستأجرها كي يزرعها أزهاراً ويستثمر فيها أموالاً تفوق ما دفعه في سبيل الحصول عليها !
ولم يكن غريباً ، بعد أن نلنا استقلالنا ، أن يحضر أحدنا « حفلة نارية » من صنع « بابا نويل » وترتيبه ، فيروعه ما يشاهده من فنونه ، كما يروعه ما تكتبه الصحف في اليوم الثاني عما أنفقته الدولة على تلك الحفلة من أموال المكلفين .
حتى صارت تلك « الحفلات » والإسراف فيها من التقاليد الوطنية العامة ، فضلاً عن أعراس الأفراد وسائر حفلاتهم .
ولم تكن الأقدار قد أسعفتني كي أتعرف إلى ذلك « النصف رب » الذي حسبته قد انتفخ بأمواله الكثيرة حتى ملأ الجو جبروتاً ، فصار آلهاً كاملاً ! برغم أنني حاولت التعرف إليه مراراً ، وأنا أشتري من مخازنه بعض الألعاب في الأعياد الخاصة ، والأعياد العامة : فكنت كلما أخفقت أعلل النفس بالقول أن للأقدار حكمتها التي تخفى على أمثالي من البسطاء ، فنحسبها تخبط كالعشواء أو تسير على غير هدى كالعمياء ! حتى كان هذا الصيف . وكانت الحرب في الهند الصينية تشتد حتى تبلغ حد الخطر المنذر بإندلاع حرب عالمية ثالثة . ولئن خيل إلى الكثيرين أن هذه الحرب ، كسابقتها الحرب الكورية ، لا بد منتهية إلى اتفاق بين الفرقاء ، فإنني على أكثر من اليقين بأن شرقنا الأوسط سيصبح ميداناً لذلك الصراع يوم يستنفد أغراضه هناك ! فالفقر الذي تعيش كثرة
الناس الساحقة في كنفه ، وما يستتبع ذلك من أمراض مادية وروحية ، كفيلان بإشعال النار في كل مكان !
لذلك عمدت إلى شراء منزل ريفي ، آثرت أن يكون بعيداً عن خطوط المواصلات الرئيسية ، فإذا ألجأتنا الأحداث إلى النزوح عن العاصمة وجدنا خير ملجأ في بيتنا في الجبال . وهكذا رحت أنتقل بين العاصمة وذلك « المنزل المنسك » كل يوم في السيارة تارة وعلى قدمي طوراً . إلا أنني ، عدت بنصيحة من أحد أولادي ، فاشتريت دراجة ، على أن أدفع ثمنها أقساطاً شهرية توازي نصف ما ينفقه المدخنون ثمناً للسجائر المهلكة .
وهكذا استطعت أن أجوب الأرياف المحيطة بالعاصمة و « بمنسكي » القائم على كتف الجبل الأوسط ، مرات متعددة في أثناء الأشهر الثلاثة الأخيرة ، وأن اكتشف مع أولادي الذين يصحبونني واحداً بعد واحد كلا بدوره – في تلك النزهات الاستطلاعية كثيراً من الأشياء التي كنت أجهلها . وهي في مجموعها مما تتحتم معرفته على كل مواطن ، لكي يحب موطنه ، حباً قائماً على المعرفة والخير .
وأعظم ما اكتشفت كان ذلك الملعب الفسيح الذي أنشأه عند مدخل البلدة المجاورة للجبل الأجرد .. رجل ذكرني اسمه بالشاويش ... نصف ربنا ، كما ذكر ولدي بابا نويل .. الذي هجرنا العابسه منذ سنين ، طلباً للاقتصاد . فكانت ذكرياتي لا تلتقي بذكريات ولدي القابع وراء ظهري على البسيكلات – ألا لا تصور مئات
الألوف من الليرات التي يهدرها الناس في الأعياد والمناسبات على تلك الكماليات دون أن يشترك معظمهم في عمل إنساني أو يساهم في إنجاح مشروع خيري .
أقبلنا على الملعب ، فإذا في وسطه حديقة جميلة يزينها « مسبح » يزهو بأنواره المتلألئة خلال حبال شفافة من المياه . وهي تنحدر من نافورات تلفظها أسلاكاً تنتشر في كل اتجاه . ثم تهبط المياه رذاذاً يداعب الوجوه ، وألواناً تزرى بألوان الأثواب في حفلة للإتحاد النسائي !
ويحيط بالملعب من أطرافه الأربعة سلسلة من المقاعد المريحة ، يبدو أن العمال قد انتهوا من إعدادها قبل ساعات . فهي نظيفة وهي لم تتأكلها سكاكين بعض المتنزهين المولعين كالمجانين بحفر أسمائهم حيثما كان . وتقوم خلف المقاعد أشجار من السرو والصنوبر ، نقلت من الغابات المجاورة كي تسبغ على المكان الصخري المتجهّم رقة الغابات ، فتندى صخوره الجرداء بالخضرة الوديعة !
لم تمض لحظات وقفت وولدي فيها ، عند الطرف الغربي من الملعب الفسيح ، نتأمل مشهد غروب الشمس في روعته الأزلية ، حتى أقبل علينا رجل ... تزيّنه سمرة العامل المجدّ ، في وهج الشمس وحرارة الصيف .
وقدم إلينا نفسه وهو يحيينا بقوله :
– يوسف سليم ... صاحب الملعب .
فيصرخ ولدي دون انتباه :
– بابا نويل ....
وأتمتم بدوري كالذاهل :
– نصف ربنا ... ؟
