لا يخولني حق اعتلاء المنابر التي هي ابعد من ان تكون صفتي وانا على ما انا عليه من انكماش طبيعي ولده فيَّ الابتعاد عن الناس - ولكنني ارضاء لرغبتها ، اكتب الخطاب شرط ان تلقيه سواي .
فابتسمت جوليا تلك الابتسامة العذبة الجذابة وقالت انها واثقة من نجاحي في الالقاء لانها لا ترضى لي ضياع ثقتي بنفسي . وهكذا تغلبت باخلاصها على ضعفي ، ووقفت على المنبر لاول مرة ، وهي تراقبني من خلال الستائر مشجعة ، محبذة ومصفقة .
ولن انسى كيف ضمتني الى صدرها مهنئة عندما انتهيت ، فسجلت لي منذ ذاك الحين عهد الصداقة المتينة التي ربطتنا طيلة حياتها .
وعند عودتي لآخر مرة من اميركا - اذكر الصدمة النفسية الكبرى التي اصابتني يوم زرتها وهي طريحة الفراش منذ اعوام سبقت ، فقد تركتها ونضارة الشباب تلوح على محياها ، فاذا بي تجاه امرأة رسمت تجعدات الحياة على وجهها خطوطاً ظاهرة تنبىء بالانحلال وسرعة انطفاء تلك الشعلة الوقادة .
ولكنني لم اكد اصدقها واسمع نبرات صوتها الريان ، حتى شعرت برهبة اعادتني الى تمثّل جوليا تلك السحرية الحديث ، المتوقدة الذهن التي تعرف كيف تسحر سامعيها ببلاغتها ، وتجعل منها بحق الزعيمة الكبرى للنهضة النسائية يوم كانت تتصدر المجالس والمنابر مثيرة الهمم وملقية على مسامع اخواتها آيات التشجيع لاجتياز العقبات والوصول الى الهدف الاسمى .
وليس من ينكر تأثير شخصيتها على نفس سامعها في تحليلها اشد الامور تعقداً ، بحكمة ووعي ، مما كان يجعل بيتها محجة للقاصدين من ادباء وسياسيين تجول معهم في ميادين الادب والسياسة ، متعمقة وباحثة بما اوتيت من غزارة علم وقوة حجة .
لهذا تعد خسارتها ، خسارة كبرى للادب العربي على الاطلاق ، لانها كانت صديقة التلميذ والفتاة ، الاديب والسياسي ، تمنح كل واحد منهم قدراً من الاخلاص وتنثر عليهم جزءاً من معارفها ، فيتمنى سامعها لو انها تظل محدثة ، ليظل مرتشفاً كلماتها كالظمآن الى الماء الزلال يقطره ينبوع صافٍ فياض .

