... كان يوم، دعا فيه رائدو النهضة، امثال «باحثة البادية» وقاسم امين، الى تعليم الفتاة الشرقية اذ ليس
كالعلم ما يكشف عن عينيها حجب الجهل والظلمة...
لم تحدث دعوة الرواد الصالحين الى تعليم الفتاة ازمة تذكر بين صفوف المجتمع. كل ما في الامر انهم جادلوا
وناقشوا في: «ماذا يجب ان تتعلم الفتاة» و«أين يجدر الوقوف والاكتفاء في التحصيل!» اما مبدأ «التعليم» فلم
يختلف عليه اثنان، وبات، في غير ما تملكؤ يتلمس طريقه الى التنفيذ..
ما ان لمّ الربع الاول من هذا القرن اذياله، حتى داخل المرأة العربية - وهي التي نالت قسطاً من الثقافة -
الشعور بعدم الاكتفاء. لقد تبين لها، ان المجتمع العربي، في كل قطر، لن يتأتى له النهوض من كبوته الا بجناحين
متعادلي القوى، وما دامت «هي» واحداً من جناحيه، فلا بد من الرجوع الى هذا الجناح الاشل، وشدّ اعصابه،
واعادة عزم الحياة اليه... وشيئاً فشيئاً بدأت تنفتح امام المرأة منافذ للنور والحرية فطالبت هنا بحق، وهناك
بحق آخر، وصمدت في وجه المعارضة العنيدة، ثم عادت تلحّ في الطلب، حتى انجلى لكل مواطن واع يفهم روح
عصره، ان «قضية المرأة» لم تعد شيئاً يجوز مقاومته، حتى ولا السكوت عنه، فانهارت السدود او كادت تنهار،
باحراز المرأة اكثر من نصر، في سبيل مساواتها المطلقة بالرجل، ثقافياً، واجتماعياً وسياسياً.
ونغصّ على المرأة، ولا ريب، ان شقيقات لها عربيات ما يزلن في حالة جد بدائية، محرومات ابسط الحقوق،
واخذت على عاتقها ايقاظهن من طويل السبات. واستبشرت خيراً مما جاء في تقرير لمبعوث الازهر في المملكة
السعودية (1) مفاده ان اولى الامر هناك بدأوا يستشعرون ضرورة فتح مدارس للبنات... قلت ان المرأة استبشرت
بهذا النبأ السار لولا ورود نبأ آخر، نزل عليها نزول الصاعقة، من ان قراراً حكومياً اتخذ بحرمان الفتاة - اين
كانت - من ارتياد المدارس وتحصيل العلم، وبانزال اصرم العقوبات بوالدها ان هو خالف القرار!!
هنا اتساءل، اذا صحّ الخبر، أي صدى سيكون لهذا القرار في الاوساط العربية على اختلافها؟ وأي مفعول
سينتج عنه؟؟ هل بوسع اية سلطة في الارض ان تحوّل البشرية عن نور المعرفة؟ لماذا لا تأمر هذه السلطة بوأد الفتاة؟
لعمري ان وأدها اهون شراً من ابقائها بهيمة بين البهائم!.. فعودوا بربكم عن هذا القرار ايها الحكام، وانصفوا
فتاتكم التي ما كان دينكم الحنيف لها الا منصفاً - افتحوا ابواب العلم في وجهها اذا شئتم لحكمكم دواماً، ولأمتكم
نهضة وازدهاراً.




