يزور مكتب التحرير ، بين آن وآخر ، شخصيات طريفة ، نرى من
الذوق محادثتها وتسجيل بعض مما يجري على لسانها ...
وما حطت قدما الشيخ سعيد تقي الدين في أرض المكتب حتى
أنهلنا الأسئلة عليه من كل لون وفن ، فما تردد لحظة في الإجابة عليها
جميعاً ، وبكثير من الثقة بالنفس !
ليس الشيخ سعيد تقي الدين بغريب عنا — قراء «صوت المرأة»
فقد عرفناه القصّاص اللبناني الأول ، قرأناه ، فندمع حيناً ، وتضحك أحياناً
— إنه من نسيج وحده — نسيج فريد !
وعرفناه رئيساً سابقاً لجمعية متخرجي الجامعة الأميركية ، فإذا هو نشاط
كله ! لم تعرف الجمعية ومجلة «الكلية» عهداً كعهده ، زاوجت فيه الأقوال
الأعمال ، وتمخضت عن نادٍ فخم هو اليوم مجتمع المتخرجين وملتقى الصحاب .
يسرّ «صوت المرأة» أن تسجل حديث الشيخ سعيد تقي الدين .
•
ما رأيك في القصة ؟
— أية قصة . الحياة كلها قصص .
عنيت القصة القصيرة المكتوبة — القصة الأدبية .
— أنا لا أعرف أن أبحث في الأدب . مهمتي أن أخلق الأدب .
أكثر الذين يبحثون الأدب هم الخائبون في خلقه . مليون مغربل
على بيدر فيه ٢٦ مد قمح ، وأربعون مد شعير وكومة زوان .
أية مشاكل تواجه الأدب اليوم ؟
— مشكلة باشوات الأدب ، أحدها .
لم أفهم . من هم الباشوات ؟
— الذين انتفخوا وذاع صيتهم من غير إنتاج . أو بإنتاج
سخيف . في كل يوم ينفلت من «العوام» بسفر كتاب ، أو
بقصيدة من يجب أن يلقي منا على الأقل تحية الإعجاب . فلا
يأبه له أحد . إذ أن تفكيرنا الإقطاعي في الاجتماع ، نقلناه إلى
الأدب . فنحن لا نزال نخشع أمام الباشوات ، ولا نفسح في
التقدير مجالاً للعوام المغمورين . خذي كتاب «ثلاثون قصيدة»
لفتى اسمه توفيق صائغ . لقد صرعني هذا الكتاب . من قرأه ؟
من كتب عنه ؟ إذا ألغينا الباشوية في الأدب ، وأعدمنا زيزان
البحث وأحرقنا بعض الحطب اليابس وقرعنا النواقيس لأي
توفيق صائغ يطل ، بدأت تستقيم مقاييسنا .
والشبيبة الجامعية ، هل ترى من الحكمة انخراطها في
النشاط الحزبي والسياسي ؟
— يخلط الناس بين مفاهيم كلمة «حزب» . إن كان الغرض
من «حزب» تعبئة جمع من الناس يساقون نحو هدف سياسي
بمعناه الحقير ، فإن من الجريمة أن يكون في هذا الجمع طلاب
أو فتيان . أما إذا كان الحزب في جوهره نهضة ثقافية تفهم
العضو واجباته ومسؤولياته وفلسفة تاريخ بلاده ومستقبلها ،
والدور الذي يجب أن يلعبه المواطن — إن كانت هذه أهداف
الحزب ، أي حزب ، يمشي بها على خط سيّره العقل ، لا
بأشرعة ينفخها الأهواء لتبحر في أوقيانوس من رغوة العواطف ،
إذ ذاك يصبح انضمام الفتيان ، والفتيات (لا تنسي الفتيات) إلى
هذه النهضة ضرورة قومية أهملتها مدارسنا وبيوتنا . نحن إذ
ذاك نتلقن في الحزب ما أهمل آباؤنا تثقيفنا به . وأهملته مدارسنا .
ألا يلهي هذا النشاط الطلبة عن مسؤوليتهم الأولية —
الدراسة ؟
— إن النهضة الصحيحة تجعل من التلميذ تلميذاً أفضل كما


