سمعتها في الامس البعيد تردد اللحن تلو اللحن والاغنية تتبعها الاغنية فلم اعجب بها ... ثم سمعت عنها من الصويحبات والاصدقاء ممن نعموا بجلسة الى جوارها ، او استمعوا اليها في انشادها وتغنيها ، فاصريت على عنادي ، وتشبثت برأي لا ابغي به بديلاً ... وتعاقبت السنوات ... وانا على عنادي مصرة ، وبآرائي متشبثة ، الى ان نفخ بوق في الناس يقول : ان ام كلثوم في طريقها الينا ... ولم اكترث للحدث ولم اعن به ... ولكني لحظت اكتراث الناس من حولي ، واهتمامهم به ... فتريثت واصغيت ... وافاقت فيَّ الطبيعة البشرية تغريني بالتقصي والبحث ، ويدفعني الفضول الى التعمق والاستطلاع ...
وذهبت اليها ... في تلك الحفلة التي اقامتها لها نقابة الموسيقيين اللبنانيين في فندق الكابيتول ... ورأيتها ... ثم سمعتها ... وتسرب الشك وبدأ الى نفسي .. الشك فيما كوّنته من رأي تجاه هذه الانسانة ... وبدأت مخلفات الزمن ورواسب الايام تتصارع وما رأيته وسمعته ... وأبى عنادي الا ان يصمد في كبرياء يتحدى الحقيقة الراهنة ...
وهكذا تركت القاعة وهي ما زالت في غنائها ماضية ، بل منغمسة ... غادرتها مرغمة ، وأنا واجمة ، ذاهلة .
وقد استفاقت في اعماقي احاسيس غامضة ، ومشاعر منطلقة ، لا عهد لي بمثلها ... وعبثاً حاولت كبتها ، وعبثاً حاولت تجاهلها .. ووضعت العناد جانباً ، ورميت بمخلفات السنين بعيداً ، وعمدت الى نفسي اصغي اليها باخلاص وروية .. انها قد انتشت بما سمعت ، وارتوت بما تغلغل في اعماقها من لحن سليم ، وصوت رقراق ، وكأنه الماء السلسبيل ، يروي الظمأ ، ويطفىء القيظ ... فهل تلام نفسي بما شعرت ... ان ام كلثوم تغني باخلاص وتقان ، فتنسى ذاتها ، لتأتلف مع اللحن ومن ثم مع ذوات الآخرين .
وكأن نفسي شعرت بذلك كله ، فاستجابت له .. لقد شعرت ان ام كلثوم تسكب من نفسها ، تذيب عصارة ذاتها ، وبانها تقضي سنة كاملة في تعلم اللحن الواحد لتؤديه على احسن وجه ، فتبلغ فيه ما يشبه الكمال ... وما من شيء حاول الانسان يتخلى فيه عن انانيته ، ويسكب فيه من روحه لاتقانه ، الا ونجح فيه .. لقد حملتني تلك الالحان المجنحة الى عوالم زاخرة بالحب والخير والجمال .. واشفقت على اعوام طويلة من عمري قضيتها اجحد حق تلك الفنانة الصادقة ... وكم راقني ان اشاهد في ذلك الحفل كبراء القوم من وزراء ونواب وشعراء وقد تخلوا عن وقارهم ، وطرحوا الرصانة جانباً ، وظهروا على جليتهم ، على طبيعتهم ، تلك الطبيعة الانسانية التي تأبى الا ان تقدر الفن المبدع الخلاق ، وتعطي الهة الالهة السامية حقها من الاكبار والاعجاب .