للنقود ، للكتب ، للاسلحة ، للابطال والاطفال متاحف يضيق بك شهران اذا شئت ان تراها كلها - وما اسعد اطفال وتلامذة باريس بهذه المختبرات ..
ثم تخطيط باريس واشجارها وغاباتها الاصطناعية ، شوارعها وترقيمها وخارطاتها ناهيك بقطارها السريع تحت الارض ، مجموعة تعمل من باريس . انشودة منتظمة منسجمة الانغام - هذه الشوارع الواسعة المصممة منذ ثلاثمائة وخمسين سنة تدلك كيف كان ينظر هذا الشعب الى اموره العامة - انظر الخط المستقيم من الشانزيليزي الى ساحة النجمة الى التويلري الى الكنكورد وتابع هذا الشارع وانظر كيف تستمر استقامته بعيداً جداً حتى نوّي - ألم يكن هناك متنفذ واحد له مصلحته وصداقته مع المراجع العليا ليعوج هذا الخط من امام حديقته يا ترى ؟؟
هذه النصب التذكارية في السوربون وساحة النجمة ومرقد نابليون ما اهمها فنياً وما الذها تاريخياً . لقد كتبوا على واجهة البانتيون - مدفن الابطال - « لمن ماتوا في سبيل الوطن ، فرنسا تعترف بالجميل - » رقعة صغيرة على احجار مسودة غير جذابة تحبب اليك الموت ..
الحديث عن باريس يطول ويطول اذا شئنا ان نتكلم عن كل شيء بمفرده واذ اختصر ارى لازماً علي ان اخبر قارئاتي الكريمات ان الوان هذا الشتاء هي الازرق والكونياك والاقمشة الخشنة الموبرة فعليه لن نغير معاطفنا هذه وهي لما تزل جديد ... ثم اوعز لرائد باريس ألا ينسى زيارة الاوبرا ويمعن النظر بكل تمثال متربع على سورها ليتعلم تاريخ
الفن والموسيقى والتمثيل ويرى فن النحت المتقن كما ان فخامة داخلها شيء يملىء العين . وليعط متحف اللوفر يومين كاملين من وقته على الاقل ويزور قصور فرساي ومتحف الفنون الحديثة قرب جسر اسكندر الثالث .
كثيراً ما سمعت الناس تتكلم عن « الفولي برجير » في باريس بشيء من التكتم . ولقد قصدتها مع الرفاق على سبيل العلم بالشيء - المكان صالة عادية لا تشبه بالاوبرا - لكنها من جهة التمثيل والاستعراضات تفوقها اتقاناً على ما اظن . يتجلى الفن المسرحي بابهى مظاهره على مرسح الفولي برجير . ينسجم التمثيل مع الاخراج بشكل بديع يفقد الموضوع فيه اهميته لانه يصرفك الى جزئيات تكوين القطعة - خذ مثلاً منظر بحيرة حقيقية على المسرح تغرق فيها البطلة وهي ترقص للحب امام مثاله العاري البرونزي المنصوب وسط البحيرة . يتحرك التمثال وتدب فيه الحياة فيغور وراء البطلة مذرباً الماء على انحاء المرسح من غطسته ليغرد بالبطلة بعد ربع ساعة ، حية ترزق ويختفي المشهد بظرف خمس ثوان ليجيء مشهد باريس في الليل ترقص له الراقصة العارية مع الموسيقى والتمثيل فلا تستغرب عراها . وقد يساعد الجو العام على هذه النظرة هناك . ان ارتداء « مايوه » « الباكيني » وما شايبه يخفف من استغرابك لما كنت تظنه محصوراً بالكازينو ودور الرقص .
اخبرت ان كان في باريس في شهر آب حوالي المليون سائحاً . والواقع اننا سمعنا في فرنسا لغات الارض من انكليزية والمانية وطليانية وتركية الخ .. اكثر
ما سمعنا الافرنسية . ومعظم اماكن اللهو مرتبة مناهجها لتراعي اهواء السواح لا سكان البلد - الا انهم في فرنسا على ما رأيت لا يراعون اهواء السواح من جهة النظافة المنزلية .
وبصورة عامة اشبه باريس بفترين عرض او سيدة صالون ابداً بانتظار الزوار - ويبدو ان كل فرد فيها يعمل على ابرازها كما يجب - الحدائق ابداً مزهوة لان البلدية تعنى بترتيب الزهور اللازمة لكل موسم تقتلع الذابلة لتغرس المزهرة مباشرة . مهندس البلدية يتأكد من التحريش وعدم القطع . اخبرني السيد خنشت مستشار المفوضية السعودية انهم تأخروا عن بنيان المفوضية حوالي الشهرين بسبب شجرة واحدة اضطروا ان يقطعوها والمهندس البلدي يماطل برخصة القطع ويترجاهم ان يبقوا عليها كما تترجى الام ان يعفى ابنها من حكم الاعدام .
هذا الشعور المدني الحقيقي يستحق التشبه والتقدير !!
اما غلاء المعيشة في فرنسا فسل ولا حرج - هذا يجر معه محاولة الناس للكسب بشتى الاشكال - « البخشيش » في كل مكان يستجلب معه وقاحة طالبه . اجلستني السيدة في مقعدي في التياترو وقالت : اين اجرتي ؟ « Et le service Madame ? » اوصلني السائق الى الاوتيل وصرخ في لانني لم احضر الدراهم قبل وقوف التاكسي ولأن المكان كان قريباً جداً . طلبت انارة الصالون لاستقبل ضيوفي فمنعني صاحب الاوتيل لان انير قبل حضور الزوار - واشترط الا يسهروا كثيراً ...
