يا مولد الرسول ! انك الحقة في قلب الحياة ، تعيد دفعة النور في صحارى الضمائر بين حبيباتها الرملية القاحلة ، البعيدة عن ينابيع الجود والمحبة والعدل والمساواة .
أكان جدب الضمائر بالغاً حتى استلزم صبغة الارجوان لتتخلص من جمود الموت وقحط الضغينة ؟ يا لنداء الدم ، ما اروع اثره في تطور الناس !
يا مولد الرسول ، انت رعشة الشفاه التي تتحرك بالصلاة لله العظيم ، تطلب الرحمة للانسانية الطفلة كي تقدر على الحبو في دربها الطويل .
وهل تكون الصلاة إلا اخلاصاً وتجرداً وإيثاراً ، واستجابة لنداء الخير المطلق ؟
وهل هي الصلاة إلا قوة فوق طاقة المحسوس ، وابعد من امتداد المنظور ، تتفتح لها البصيرة عابقة بطيب الالهام السماوي ، على الحقيقة في مسارح الاحلام ، ومجاهل الاوهام ؟
ايتها الذكرى المجيدة – يا عوده ألق المجد في مطاوي النفوس ، وهمسة الخشوع لله على شفاه الروح في مسمع الوجدان – اردنا في تجددك لقلوبنا نفحة للخير ، تجلو الغمة الداهمة ، ألا شلت اصابع السوء إلا لعبت في كل ميدان ، حتى ميادين الدين والايمان .
فها ان في قلوبنا لرعة والعة ، وغصة سوداء .
أكان يلزم للغشاء الذي ران على القلوب فكبلها وأظلمها ، أن تحترق القلوب في شغفها وحياتها حتى يتمزق الغشاء الصفيق ؟
يا للضحايا ! لقد لعبت بهم موجات من حماس هدرت دون وعي ، وهجمت بلا حكمة .. فذهبت الضحايا .. بعضها الى ظلمة القبور . وبعضها الى ظلمة العجز واليأس . فقلنا : قدر شاء . كما تقول في كل مأزق نصنعه بأيدينا وندبر اسبابه بغفلتنا .
ألا رحمة للضحايا ، وصبراً لقلوبنا ، وقليلاً من نورك يا ربي ، يضيء نفوسنا بالحكمة والقوة والثبات . فنقبس من ذكرى مولد نبيك العظيم – كلما تجددت – قبساً من المثل العليا الكائنة في الايمان بألوهيتك ؛ هي مثل الخير القدسية تسمو عن الاحقاد ، وتتوج القلوب بالحب الشامل .
فما ائتلف ايمان مع بغضاء ، ولا تجرّد مع اطماع ، ولا تعفّف مع اثرة .
وما بعث رسول إلا رحمة من الله وهدى للناس الى الحق ، الى البر والتعاون والاحسان ، الى تلك الفضائل التي تقصر عن تصويرها ريشة الكلمة ، وتعظم عن نطاق التحديد والتعريف .
فهلاّ أخذنا من ضحايانا عظة ! فنتعلم العوم على الضغائن ، ونتمرس في فن السباحة في خضم الحياة ، فن الجهاد ومغالبة التيار الجارف ، والنضال في عباب الازمات والكوارث ، والتعقل في اقتلاع ألغام الصعاب قبل المسير . إن هذا كله اساليب للفوز وتجنب الغرق .
ولعلّ في انتفاضة نفوسنا لهول الكارثة يقظة على الحقائق ، وبعثا للاقبال على عبادة الله وحده ، من غير اصنام واوهام ، وتهويل وتمثيل وتشويش ، واستغلال واطماع . فتمسّ ارواحنا مسحةٌ من ضيائه النقي الطاهر فيمنحها الوعي والحكمة ، ويشملها بالامن والمحبة والسلام .


