

صورتك انظر اليها فأصمت ... عيونك احدق فيها فأتوجع ... احقاً مضيت ورحلت كما تمضي شمس الشتاء فجأة وبغير ان تنذر بالرحيل ؟
زوجتي ، نفسي ، انك خلقتني بعد ما كبرت ، جعلت مني عقلاً يرى بعيون مبصرة حادة وقلباً يحس باصابع ليّنة ثابتة ... عرفك الناس شيطاناً فاض عنه الشر فراح ينثره على ارضهم الطيبة ، وعرفتك انا ملاكا اختبأ فيه النور والخير والقوة ... ليتهم رأوك تأخذين رأسي المحموم في ذلك الليل الطويل بين
كفتيك وتهمسين لي مشجعة بارق ما يمس به بشر ... ليتهم رأوك ساعة عدت اليك خاوي اليدين من العمل احمل بينها فشلي تنظرين اليّ بثبات وحب قائلة : « انا لا اسمّي هذا فشلاً ، انه حجر صغير تعثرت قدمك به ومن منا لا يتعثر بالاحجار !؟ ليتهم رأوك تضحكين ببشر وحياء بعد بشرى الطبيب ، تضمين الى قلبك حلم الامومة الطاهر وتضعينه في اسمى درجاته من التقديس !
لم أرك أماً ولهفي ، لم أرك وجهاً منيراً وعيوناً برّاقة تحملين صغيراً كألطف ما يحمل البشر ... والآن انظر الى عيونك في صورة واتوجع .. متى رأيت تلك العيون لأول مره ؟ كان ذلك قبل سنوات عندما كنت طالباً حدثاً ... كنت عائداً الى البيت متأخراً متخلفاً عن زملائي ، عندما طرق سمعي صوت صغير غاضب يرتفع وسط السكون ، فتوقفت واقتربت من الطريق الضيّق المحجوب عن البصر ووقفت انظر . رأيت عينيك تضيئان وتلمعان وسمعتك تصرخين غاضبة : « ابتعد عني ايها النذل والا قتلتك » وارتفعت يدك تصفع بقوة وتجبر الشرف بحرارة . فركضت اليك اضمّ اليك حمايتي فهرب الجبان وبقينا وحيدين نحدّق في بعضنا ... نعم ، كانت تلك اول مرة
رأيت فيها تلك العيون ... فيا ليت الناس رأوا ذلك ايضاً ، ليتهم رأوك تهتزين غضباً وتمسحين دموعاً نفرت بالرغم عنك أنت القوية الثابتة ... ليتهم رأوك تحنين رأسك بعدئذ وتتمتمين شكرك وتمضين حزينة ذابلة ...
رأيتك بعد ذلك مراراً فكنت تحدثينني احياناً واحياناً تمرين صامتة .. عرفت منك انك تعملين وتتعلمين ، تساعدين امك على الصراع ، صراع اللقمة والحياة .. تعملين في المدرسة لقاء أجر زهيد ، فازددت بك اعجاباً وبقوتك تعلقاً ..
ثم كنا نجلس في المنتزهات احياناً نأكل كعكاً صغيراً تصنعينه لي بنفسك فاضحك عندما تضحكين وتتلقى نفسي برضاء عميق ... نعم كنت ارى فيك كل ما في العالم من شرف وصلابة وجمال ...
بعد ذلك فقدت ظلك ودرت ابحث عنك كل امسية بعد المدرسة كالمجنون فلم اجدك . طار عقلي وركضت الى امي اخبرها باكياً على صدرها فابتسمت وقالت :
« حبك الاول ؟ اوه ستنساه قريباً » . فغلى الدم في عروقي ورحت احدثها عن شخصك فقطبت حاجبيها وربتت على كتفي مواسية .. وهكذا طويت تلك الصفحة وختمت ببقعة دماء من اول جرح ابكاني ألمه .
كرّت السنون واكملت دراستي الثانوية ثم قعد بأبي ضيق ذات اليدين اكثر من ذلك فلم استطع الاكمال وراحت عيون ابوي تبحثان لي عن زوجة صالحة بعد ما وجد لي ابي عملاً في مكتب ...
ومرة دعاني صديق لي لزيارته وهمس لي ونحن ذاهبان الى بيته : « مسكين من يتزوج وستصبح انت مسكيناً ! اني اكره القيد يا صاحبي والسجون » وعندما وصلنا باب البيت همس لي وهو يغمز بعينه : « ساريك جميلة الخادم التي حدثتك