لا ادري لماذا تحضرني كلمة « مردة او مارد » كلما تردد اسم الشيخ سعيد تقي الدين على مسمعي ، ولعل سبب هذا التداعي هو اعجابي بسعيد كلما قرأته في اقاصيصه . فاتخله ، وانا لم اره قط ، مارداً من بقايا اولائك المردة الذين عاشوا نسوراً فوق الشوامخ من لبنان يغسل المحيط اقدامهم ورؤوسهم تنطح السموات . فاحبوا موطنهم بكل ما في الكلمة من معنى وذادوا عن ارزه بشجاعة فائقة اتخذلت امامها جيوش الغزاة الفاتحين . ومارد لبنان هذا ، يتحدث عن لبنانه بثقة وكم له سلطان . ولا عجب ، فلبنان يجري دماً متدفقاً حاراً في قلبه ، واغنية عذبة على شفتيه ونوراً حلواً مؤنساً في عينه . واما لبنان فبادله بدوره حباً بحب وعطفاً بعطف ، فاهداه قلماً من ارزه خالداً يطاول بعلبك وتدمرا ، وفجّر في قلبه ينبوعاً من فيض الهامه كوثراً ثراً . اذن ومن اجدر من سعيد تقي الدين يقص عليك اقاصيص من لبنان ؟ الا تصدق .. ؟ تعال مع سعيد الى الشوف وانظر ، اجلس معه في « كرم الهدهد » كرم « المرحوم » ابو توفيق حمد الساقي واسمعه يقص عليك بسحر ولباقة ينتزعان الاعجاب قصة لبنان الفلاح الذي قال بمعوله الى الجرود الجرداء ان كوني
فكانت وانبتي فانبتت عنباً وزيتوناً وتفاحاً يغري بغنجه الف حواء وحواء من اقاصي الارض . هل اثرتك قصة حمد الساقي حقاً انها من صميم لبنان .. ولكن لا عليك ، تقبّل نصيحة المارد التي يسديكها لوجه الله :
« يا اخي اياك ان تبيع ارضك ... ان من يبيع ملكه في قرى لبنان يقطع الحبل الذي يشده الى مرساة العيش ويرمي من يده العلم الذي يرفعه في معركة الحياة . »
والان هل انت متعطش الى اكثر ؟ تعال الى « النبع المتشلشل عبر ورقة التوت » انه يكفيك لتنقع غليلك ولا تعجب « كل ما في القرية اليوم شحيح وعزيز وكل هور - حتى نقاط الماء - هو كفر وجريمة .. » ولكن نساء القرية « اكرم من السيف » فتناول الابريق « وزرنق » هنيئاً مريئاً ، ثم استمع الى النسوة يتحدثن عن « ابو عصام » وماذا فعلت به سعدى النورية بعينها الشريرة ، تلك الجنية الكافرة ..
ثم رافق سعيد الى المدينة الى بيروت وتعرف الى برج بابل وكيف يحيا هذا الخليط المتجانس المتنافر ، المتعلم الجاهل ، الغني الفقير والشريف الدنيء واذا نشلت محفظتك فلا تنس ان تعرج على دائرة
البوليس فلا شك تكون قد استبقتك الى هناك . واذا اعياك يا صديقي لبنان المقيم فاعتمد اجنحة المارد فينقلك على بساطه السحري الى لبنان المغترب ومتى وصلت « قف ايها القارىء العزيز على قدميك واخشع فنحن نتحدث عن لبنان المغترب » والحديث شجون والدروب موحشة حقاً وموحشة كثيراً ولكن لا بأس عليك تشهد الصراع المجنح ، فلسوف تخرج مرفوع الراس عالي الجبين فخوراً بأنك من لبنان .
هذا بعض ما في ربيع الخريف ناهيك عن لباقة الحديث ومرح الاسلوب وحلو اللفظة ولطافة الاشارة . وجميعها تفعل فيك فعل السحر فتود لو ان الجرّة لا تمتلي والماء المتشلشل من ورقة التوت لا تنقطع سأسأتها من اذنيك ..


