أدركوا بأن هناك فارقاً بينها وبينهم. وكانت إذا سألت أحدهم لعبة ما يتسارعون لتقدمتها إليها ثم أصبحوا في النهاية يعاملونها كواحد منهم بدون أن يفكروا بعاهتها.
فقد كان خوفي شديداً حينما شاهدتها مرة على قمة آلة التزحلق. ولكن كان اندهاشي أشد حينما شاهدتها تقعد بحذر في المكان الملائم وتنطلق بمرح إلى الأرض ثم تقف على الأرض وقفة متمرن مارس لهذه اللعبة منذ زمن بعيد.
ومرة كنت ألاحظها مع بقية الصغار في المدرسة. فتذكرت كيف كان الأطفال في المدرسة الخاصة بالعميان يلعب كل واحد لوحده وإذا ما اشترك مع رفاقه في اللعب كان لعبه بطيئاً كما كانت حركته عموماً، لأن الواحد منهم إذا شاء أن يعطي رفيقه قطعة من الحلوى مثلاً كان عليه أولاً أن يجد رفيقه باللمس وبعده يفتش على يده ويضع فيها الحلوى. إلا أن طفلي كانت تمد يدها إلى رفقائها المبصرين بقطعة الحلوى وتقول «إليك هذه القطعة» وبهذه الصورة تتم هذه العملية بكل بساطة. وقد كان رفقاؤها المبصرون أيضاً منتبهين كعادة الأطفال إلى كل الأشياء التي حولهم، فهذا يلفت نظر رفيقه إلى زهرة حمراء، وذلك إلى الشرر الذي يتطاير وراء القطار، ولهذا فإن طفلي عرفت أشياء كثيرة لم تكن تعرفها وحصلت على ذخيرة من صور المرئيات من رفقائها المبصرين أفادتها كثيراً.
وقد كانت المعلمة تعطي طفلي لعبة لتلهو بها وقت الدرس فاعترضت أيلين وطلبت كتاباً وكثيراً ما كانت تحمله معكوساً إلا أنها كانت تشعر بسعادة لحمله بل أنها طلبت أن ترسم في حصة الرسم، وكثيراً ما كانت تلوث ثيابها بالألوان. وأني أذكر أول رسم أتت به معها إلى البيت، فقد صاحت منذ وصولها الباب «مامي لقد رسمنا رسوماً جميلة اليوم» وبعدها فتحت معطفها وقالت «انظري مامي لقد لطخت ثيابي بالألوان أليس ذلك حسناً؟» فأجبتها بأن ذلك مدهش.
وقد أخذت الكلمات الجديدة تستلفت انتباهها أكثر من ذي قبل، فقد قالت لي يوماً «يقولون - الثلج أبيض - فماذا تعني لفظة الثلج ولفظة أبيض» وبما أنه لا يمكننا الصعود إلى الجبل في ذلك الحين فقد أخذتها إلى بائع المثلجات حيث لمست الثلج فصاحت حين لمسه «مامي الثلج بارد جداً وخشن الملمس» ولكنها لم تدرك شيئاً عن ماهية اللون الأبيض.
وفي فصل الصيف ذهبنا إلى أحد الشواطيء حيث تعرفت طفلي على أصدقاء جدد من الأطفال وتعلمت بواسطتهم كيف تجمع بعض الأصداف والسلاطين الصغيرة، وبعد انتهاء فصل الصيف كان حديث الشاطيء بيننا لا ينقطع.
وبعد أن شغفت بتغريد العصافير صارت تأتيني بأي شكل تجد له حجماً وتسألني «هل هذا عصفور؟» وبما أنه لا يمكنها أن تتعرف على عصفور طليق، فقد اصطحبتها إلى أحد الأولاد الذين يملكون عصفوراً أليفاً، فتعرفت عليه بيديها جيداً، ومنذ ذلك الحين أخذت تتكلم عن العصافير بطلاقة.
وقد جربنا أيضاً أن ندعها تدرك تماماً مدلولات بعض الكلمات التي تعرف لفظها معرفة سطحية كلفظة «عالي» و «ثقيل» و «ناعم» وما شاكل. وجربنا أن ندخل الألوان في حديثنا كبقية الأطفال. فأصبحت تعرف فستانها الوردي من الدانتيلا الموجودة على ذيله، أو فستانها الأصفر لأنه مصنوع من الموسلين ولكننا كنا في عجز تام عن جعلها تدرك ماهية النجوم والغيوم وماهية فقاقيع الماء ولكننا لم نهتم كثيراً بهذه المسألة.
وفي هذه الفترة أصبحت تطلب مساعدتي في أعمال البيت، فنجحت في تحضير المائدة وترتيب فراشها ثم تجفيف الصحاف. وهكذا أخذنا نشعر وقتئذ بأنها أخذت تتخطى المصاعب التي كانت تعترضها واحدة بعد أخرى، ووضح لنا أيضاً بأن الذي كنا نحتاجه مدة يأسنا وحزننا هو إيجاد الثقة في أنفسنا كآباء لها ثم أن نستمد من هذه الثقة الصبر على تقدمها مهما كان بطيئاً، وأن ندعها تتغلب على بعض هذه المصاعب بنفسها دون أن نتدخل نحن في حلها.
إن طفلي ستتخرج من روضة الأطفال المبصرين بعد مدة وستدخل المدرسة الرسمية كبقية الطلاب مع استثناء بعض مواد ستدرسها في مدارس العميان وبعد انتهائها من دراستها أؤكد وكلي ثقة بأنها ستواجه العالم بقلب قوي وخطى ثابتة شأنها شأن أترابها الأصحاء.
