
كنت احلم .. وشردت روحي بعيداً بعيداً .. طوت الاجيال لترى دنيا بلا اله يجدد .. وشعوباً لا تعرف السلام .. وجماهير تعدّ المحبة ضعفاً وخوراً .
رأيت الناس وقد تجردوا من انسانيتهم وعاشوا كتلة من قسوة وفساد لا حد لها .. وفظاعة وشر لا حد لها : وكأن كل من فيها وحوش لا يعرفون الا الافتراس .
رأيت الحاكم يحكم على المجرم فيقول .. القوه الى الاسود لتمزقه ارباً ارباً .. فيهتف الشعب وانها لمتعة لا تفوت .. ثم يندفع يتفرج على الاسود تمزق الناس اشلاء وتأكل لحمها .. وتلعق دمها .. كل هذا وهو يصفق طرباً .
رأيت الحاكم يحكم على المجرم بالموت .. ولكن اما بالصلب .. واما بالرجم .. عقوبتان هما افظع ما اخترع عقل جهنمي .. ورأيت الناس في كلتا الحالتين يقهقهون .. ويتفرجون .. بل ويشتركون .
رأيت سادة مترفين .. يقضون اوقاتهم اما في الحمامات الرومانية يتدلكون ويعربدون .. واما في قصورهم يلهون
رأيت عبيداً يجلدون بالسياط لأقل هفوة .. فاذا ما مات الواحد منهم تحت الجلد .. ظل اطفاله وزوجته في خدمة السيد القاتل والحلقة في اذانهم الى ما لا نهاية له .. ذلك لانهم اشتروا وذراريهم عبيداً .
رأيت تشفياً في الاسرى .. عيوناً تسمل .. واعضاء تبتر .. رأيت فحشاً في رابعة النهار .. في هياكل الرومان واليونان .. يسمى الفحش المقدس .
رأيت جهنم الدنيا وفيها ابالسه .. اذا جاءهم مصلح قالوا .. اسقوه السم حالاً .
وبغتة عزفت موسيقى الملائكة .. مجدوا الله : سلام على الارض .. محبة بين الناس ..
وبغتة ولدت في الدنيا ارق شخصية مشت على ارض الدنيا . الشخصية التي قال فيها الشاعر الاحمدي ..
ولد الرفق يوم مولد عيسى
وبغتة لاح حول البلد المقدس .. البلد الشهيد .. صاحب الرداء الواحد .
مضى يمشي على الأرض بجسمه .. اما روحه فرفت فوق الناس .
لم يتكلم كثيراً ولو جمع كل ما قاله لما ملأ كتيباً صغيراً .. مضى يهمس أحبوا .. ارحموا .. قالوا ومن نحب ؟ . فاندفع يهتف .. تحب قريبك .. تحب عدوك .. تحب الهك .. تحب البائس .. تحب الطفل .. تحب الجميع .. قالوا حدّد لنا .. وعندئذ ضرب لهم قصة السامري الحنون .. ذلك لأن صاحب الرداء الواحد رأى ان هذه الدنيا لا يصلحها الا المحبة .. والا الرحمة المنبثقة من المحبة .
ومضى هو يحب ويرحم .. ولكنهم ثاروا عليه .. وخيل
اليهم انهم قضوا على الفكرة .. واماتوا العقيدة .. وانهم سيعودون كما كانوا آلهة بغض وعداء ..
ولكن الصوت الحنون ظل يهمس .. احبوا ارحموا .. واستيقظت الضمائر .. فكأن نسمة من نسمات الرحمة على الدنيا .
قال الحاكم .. اميتوا المجرم ولكن اسهل ميتة .. نحن لا نريد التشفي منه .. ولكن لا بدّ من انقاذ الدنيا من اجرامه وهتف الشعب .. نعم اميتوه سراً فما نستطيع ان نرى اسوداً تفترس البشر .. اخواننا .
وقال السيد لعبده . انت حرّ تخدمني باجرك ولن استعبد اطفالك وزوجتك .. فهتف الناس .. نعم لا نريد عبودية المخلوق للمخلوق .. كلنا عبيد لله .
وقال اصحاب الفحش المقدس .. لتتوار الفظائع الهمجية .. ان لنا عدا الاجسام ارواحاً .. ونود ان نسمو بها .
وقال المحاربون .. ان للاسرى حقاً مقدساً .. فلا تسمل عيون ولا تبتر اعضاء بل في ليلة ميلاد ابي الرحمة لا تطلق رصاصة .. بل يخرج الخصوم من خنادقهم ويتبادلون التهاني وهدايا العيد .. فهتف الناس تبارك ابو الرحمة .
ولم يكتف الناس بهذا ، فقد قال لهم صاحب الرداء الواحد احبوا ارحموا .
ومضوا يتساءلون ، وماذا نفعل بعد ؟ واذا بالمستشفيات
( البقية على الصفحة ٥٠ )