س - اشرت الى انه بإمكاننا القيام بهذا العمل الفريد بسبب موقعنا وماضينا وخصوصاً اعتزاماتنا، فما قصدت بهذا التوكيد على الاعتزامات اكثر من الموقع والماضي؟
ج - موقعنا مفروغ من انه حقاً عطيه آله اراد بنا خيراً (وانا اعتقد انه ما من شيء فوق عزيمتنا الا كون الله مجبنا) اما ماضينا فعلى جهلنا له يظل عندنا قوّاد يعرفونه كفاية ليعوّضوا عن عدم ضجّته في ضمير الجميع، وليصيب الجميع من وعي هؤلاء القادة له رشاش يكفي لان يتصوّروا هذا الماضي، في قليل او كثير، شبيهاً بماضي الاغارقة. (ومن هؤلاء القادة الذين هم ضمير امتنا وهي ضميرهم العلامة شارل قرم). ولكن لا موقعنا ولا ماضينا بمدانيَين عما نريد ان يكونه اعتزامنا. اني اعتقد ان الستة الاف سنة التي وراءنا من حب وفكر وتلفّت الى السماء وعطاء ومغامرة وانشرار على صفحة المعمور، لا تشكل سوى بداية وجودنا في العالم. وهذا ما عنيته بان اعتزامنا هو الاعظم.
س - والمرأة ما قسطها من كل هذا؟
ج - دور المرأة في لبنان دور يكاد يُظن وعي له مبالغاً به لوفرة ما اجده بها هيباً! فهي ستدخل المعمعة - انا واثق - بروحين:
الاول ناجم عن ان محض وجود المرأة ثروة وقوة من طراز آخر (ان شخصية جان دارك هي دون مبالغة، نصف تاريخ فرنسا).
الثاني: ان كون المرأة ستمسّ نار المسؤولية لأول مرة، وبهذا الماضي
اللاشيئي الناصع لن ترضى بأن تعمل ملوّنة بياضه ولن تعمل الا بحيوية وجبروت سيفجران اللاشيء شيئاً طريفاً لانه انثوي، وغنياً لانه طريف..
كأني بعقل الرجل الذي يبري لكثرة ما احتك بالنفعية، لن يعود الى براءته المعطاء الا اذا مدّ بذاته قلب المرأة العظيم!
س - ما دمنا بصدد المرأة هل انت راض عن نشاطات القلب في لبنان، قصدت بها الفنون الجميلة؟
ج - اذا استثنينا الشعر والتصوير نجد ان كل ما في لبنان من مقوّمات الفن هو قشعريرة. في حقل الشعر وراءنا تراث يجعل شعرنا منذ الثلث الثاني من القرن العشرين في مستوى كلاسيكي غربي، سواء المكتوب منه بالعربية او
اللبنانية او الفرنسية. اما التصوير فيجيء رأساً بعد الشعر، الا ان الرائع في لبنان انه صائر جهة كثافة فنية، ويبدو انه لن يمر زمن بعيد حتى يقال: «كل لبناني فنان» كما قيل: «كل لبناني شاعر.» ذلك ان النشاط الفني عندنا يسنده اليوم لا جمالات لبنان الطبيعية ووقوف ابنائه على نهضات اوربا التي يقصدونها كل سنة وحسب، بل الفكر نفسه. ولقد بدأ المشتغلون بالفلسفة ورجال اللاهوت يشدّدون على ان الكائن الاسمى في الذهن الشرقي أعوزه من ملازماته الثلاث: الجمال، وان جميع مؤسساتنا في الشرق تأثرت بهذه الثغرة، وان على لبنان ان يردمها. وهكذا نجدين ان من رسالة اللبنانيين ايضاً ان يُعيدوا النظر لمصلحة الشرق والايمان حتى في تكوين الله.

