كانت صغيرة، حين غرست واخوات لها في الغاب، وهمس البستاني في اذنها: سوف تصبحين شجرة فاتنة في احد الايام؛ فاجابت الشجرة الصغيرة، ورياح الخريف تهز فروعها اللينة: اجل في احد الايام المقبلة.
أقبل ميلاد ذلك العام، كما في كل عام، وكان الصباح بارداً، فسمعت وطء اقدام تقترب منها، وعرفت من بعيد صوت غارسها، وبقيت تصارع فكرة تغلغلت في صميمها: ترى ايكون دوري في هذه المرة على صغري؟...
ومدّت فروعها ليراها، ولكنه لم يعبأ بها؛ ومرّ العام وتلاه آخر، ونمت رفيقاتها بسرعة، وبقيت على حالها، لا تدري كيف تحلّ وضعها المعقد.
في السنة الرابعة قدم البستاني، واقتلع من حولها شجيرات، ولم تطق الصمت فصرخت: خذني انا ايضاً. لكن صراخها لم يتجاوز دائرتها الضيقة.. انه يطلب الكبار!..
وصمتت، وفي صدرها ضجيج: «سوف انمو، لأكون خير ما في الجوار» قالت؛ وكسا الثلج التلال والربى، وفرقت ان يصيب اغصانها اذى الصقيع؛ ثم ذابت الثلوج، واطلت براعم الزهر، وانتشر نفس الربيع بين اجواء الغاب؛ لكنها ابداً تفكر بالخريف المقبل... بالنمو، ليتسنى لها ان تزدان بحلة العيد!
وجاء البستاني يوماً، فتأملها، واقتنع بانها أصبحت تليق بالميلاد...
وروى لصديقه قصة غرس صنوبرته، وصفير الرياح يقطع عباراته، ثم سارا، وعلى الثلوج خلفها بقع حمراء!
في المدينة أصبحت شجرتنا، في منزل غني، ولأول مرة في تاريخ حياتها ركبت العربة، ومرت في الشوارع ونظر إليها سكان المدينة؛ وهمست في اذن نفسها: ليتهم يزينوني الليلة، لا يمكن ان انتظر حتى الصباح، لكن احداً لم ينظر إليها، وبقيت الى اليوم التالي، فرشقت بالزينة، وعلقت فيها الاجراس، والانوار الملونة، واشتاقت ان يتحلق حولها الاطفال، لكنهم لم يفعلوا... وكيف تتم روعتها دون اطفال؟...
وسمعت امراً بنقلها الى غرفة خاصة، حيث احيطت بالرعاة والقطيع، وظلّلت فروعها حنو الأم، وسناء الطفل الحبيب... دخل الناس، وخرجوا، وسمعت تبادل التهاني، ثم صمت الجميع، وبقيت وحدها، في الغرفة الخاصة!...

