غامت الدنيا في وجهنا عند بلوغنا المستشفى - بجوه الهادىء النظيف - مع تعزيتنا بأن علاج البنسلين يقهر الاصابات بملايين جيوشه المقاتلة الرحيمة. غير ان هذه الرحاب البيضاء والجنائن الغناء لم ترو غلة الأم الطريد بل زادت تعطشها الشديد - لأن اسم فؤاد لم يعد في اللوائح بل غادر المكان صبيحة ذلك اليوم الى بيته الأبوي.
وسألت الممرضة ملهفة:
- لعله شفي؟!
على انه نقل الى البيت استجابة لرغبة والده، ليلة العيد، كأنّ حذراً حذره ليضمه الى كنفه، فائتا على امه غرضها وآخذا عليها مسعاها. واذ كنا نعود ادراجنا تناهى الى مسامعنا نحيب ام، فهتفت في غير وعي:
- أهي «راحيل تبكي على اولادها» قبل ان يولد «الملك»؟ لكأن اصطلح المرض مع البعاد على فؤادك، فهل وهنت عزيمتك، ورجعت عن قصدكِ، ام انت ماضية الى البيت، حادثاً ما حدث؟!
واجابتني دون ان يتغير لها لون او تطرف لها عين او يتميز لها صوت:
- أليس الميلاد عيد الأمومة الطاهرة؟ وهل من جريرة في ان اطلب بني وهو على سرير مرضه؟ اين كان!
وحيال هذا الاصرار تتبعتها كالظل، حائرة في أي هاتف هتف بالأم الشريد ليردها الى حظيرتها المحظورة عليها. بل لكم تقاطرت على افكاري اسئلة
احتجزتها كنت على وشك رشقها اياها: لماذا فرت منذ البداية؟ واين مكثت؟ وماذا حدث حتى تابت عن غيها لتعيش عيشة التقشف والابتذال؟
هذا لأن احداً لم يدر اسرار هذه العائلة المفككة ولم يقف انسان على نقطة الظلم وأي الزوجين اصابت. انما عللت قالة الناس غضبة الزوج لهيامها بعشيق لها، سرعان ما تخلى عنها، تاركاً اياها لتهيم على وجهها، وتلوذ ضمن جدران ملجأ المقعدين تكفيراً لذنبها.
واليوم آبت لتعود ابنها المريض تشتويه الحمى، ويحتويها التحرق للحمى. ودخلنا البيت، وهي اليه، معلقة الأنفاس، ولما بلغنه انطرحت ارضاً
بجوره تلمس يديه وصدره وعنقه ووجنتيه وجبهته وشعره. وما هي برهة حتى احتوته بذراعيها لائمة عرقه المتصبب، لاهثة من وجدها، رائعة بين فرح وفزع، ووفقة وفرقة، مغسلة أطياف هواجسها بدمعها المتون، تقاطعه زفرات من الصلوات ...
وكأني «بخلوة البستان» سبق حلولها ولادة «الحمل الوديع».. ما احق القول في ساعة مماثلة للنزع والصراع: «اما الروح فنشيط واما الجسد فضعيف». وشاء القدير ان يمن بنعمة الحياة للطفل بين يدي امه المبتهلة ... فهدأت العاصفة واستكنت بعد حين الزفرات، لما استراح الى نوم هادئ مريء، وتراءت

