الأم الشهيد مثل « مادونا سيستين لرافايل » ... بكل ما فيها من جمال التعبير الى صفاء الالوان ، مع استدارات الانوثة ، وتيقظ التقاطيع ، وفورات العاطفة ، والاستسلام لله .
على ان الهناء لم يمهلها طويلاً حتى دار في اسماعنا المرهفة مفتاح يدور بالقفل ! فأومأت لنا الخادم بان نتخفى في الغرفة المحاذية - غرفتها ، وحرت في كيف سنخرج من هذا الفخ المنصوب دون تخديش صداقة الجوار بين عائلتي وزوج هيام . فهدأت روعي وطمأنت حذري . واخذ الوالد يتفحص الصغير مع الطبيب الذي جاء به ، فوجداه مماثلاً للشفاء ! فيا لسعادة مفاجأة كيف زايلته الحمى الكاوية ، وبسطت تباشير العافية لواءها مع لواء السلام المنبسط على الارض في
تلك الليلة الساجية ! ولو علما ان دلائل عافيته الثمينة بلها ندى الامومة المشبوب ، وفاض ترياقها على جسده المسعور من لهيب فؤادها المقرور !
وكأن وجودها في البيت ليلتئذ اوحى الزوج ان يسرّي عن نفسه الى صديقه الطبيب . فانتحى الرجلان زاوية من غرفة المريض والتصقت اسماع المرأتين الى الحشب تننصتان الى القصة يرويها لأول مرة - قصة فراقه مع هيام : قال :
« كنت شديد الغيرة ، عظيم الاثرة ، اخال الحب تحكماً وتقيداً وانصياعاً . كنت اجاهد لأتحكم بقلبها واتساءل لما لا تتحكم هي بقلبي وترجني في ضيق احشائها وحدي دون سواي من سائر الناس لتعب من مناهل حبي المتدفق العاني ! وكان تصرفي هذا يشيع فيها
التأثر والالم تارة ، وطوراً تغلب فيها روحها المرحة وتراوح بيني وبين اصدقائنا الكثير في تسليات بريئة . اني اعلم اليوم انها بريئة ، يا صديقي ، ولكن حينها كان يجن جنوني كلما مَنَّت على احد بابتسامة دافعة في افكاري الى اعتاب الخديعة الكبرى . الى ان اصرت ليلة على الذهاب الى حفلة راقصة ، فتمنعت ، ثم سمحت لها بالذهاب مع بعض الاصدقاء ، ولزمت البيت متظاهراً بانعكاف طفيف .
وقرب منتصف الليل دلفت الى المرقص متنكراً . وكانت حفلة مقنعة ؛ وجعلت اطوف بين الراقصين ، الى ان اهتديت الى هيام يخاصرها الطبيب الذي اشرف على ولادة فؤاد ! وكفاني ما رأيت ! واطلقت للاخيلة الشيطانية اعنتها في اجتذابي وتهويري . مركزاً

