قالت سلوى وهي تكفكف دمعاتها الحرى: «ليس في الكون ما يوازي حزن أم تأكل؛ سوف تستعر نار الألم في قلبي الكليم، حتى أوارى الثرى».
وبحثت عن عبارة اخفف بها عن الأم البائسة، فأبى الكلام ان ينقاد لي، وشعرت بدمعة تحرق خدي، تحولت فيما بعد الى ثورة، عصفت بنفسي، وهزت إنسانيتي.
كانت سلوى حقاً ثكلى، لطفل لما يتجاوز عامه الثاني، ولكن ليس عمر الولد مدار بحثي، بل علة موته... لا احد ينكر ان الموت، النهاية الطبيعية للحياة، ولكن محدثتي، جنت على فلذة كبدها من حيث لا تدري؛ بدأت اعراض مرضه وهي لا تحسها، وأنى لها ان تفهم كيف تميز بين الصحة والعلة، وهي غارقة بالجهالة، حتى أذنيها؟... وتطور المرض، حتى تفاقم خطره، وهي لا تعلم ان هذا الطفل السقيم، بين يديها، يسير رويداً، لملاقاة حتفه؛ أخيراً وضح لها ضعفه، فعرضته على جارة لها، لم تكن اكثر منها علماً وخبرة في التربية، ولعل شحوبه حرّك في نفس الجارة حاسة دفعتها لتنصحها باستشارة الطبيب، وهكذا كان، ولكن بعد فوات الاوان!...
لقد قضى المسكين، تاركاً في صدر والدته، جرحاً بليغاً، واملاً مهيضاً! إزاء وضع كهذا من الملام؟ الأم، التي كانت جهالتها سلاحاً به طعنت طفلها؟ أم مسببات هذا الجهل؟ أنضع
الملامة على عاتق المجتمع أم الفرد؟ أترك هذا الجدل للقراء الكرام، لأعود الى موضوع بحثي؛ ان هذه الأم التي قدمتها، مثلاً حياً للمرأة الريفية، هي واحدة من آلاف المسؤولات عن النشء الطالع، آباء وامهات المستقبل، ونحن طبعاً نريده جيلاً قوي البنية أولاً، والا فكيف نرجو نهوض أمة شعبها عليل؟ ثم نريد لأولادنا غذاء نفسياً وفكرياً، يكوّن زادهم في مواجهة شعاب الحياة، والبيت هو الاساس الاول لبناء الاخلاق والاجساد، فهل تقوم بهذه الاعباء، أم تكاد لا تعي من امور دنياها شيئاً؟ ثم هي كائنة في قلب مجتمعنا، أنتركها تتعثر في جهالتها التي قد تورثها ابناءها أم نفكر بتوجيهها وهذا شرط لازم اذا اردنا ان نبلغ الغاية التي ننشدها في الحياة، كأبناء امة تود أبداً التسامي والرقي؟...
لست اول من يشير قضية المرأة الريفية، وامكانية توجيهها، كما انني لم اعرض سوى وجه واحد من اوجه الخطر الذي يهدد به مجتمعنا عن طريق جهل الأم؛ ورب سائل يقول: «وهل هناك امكانية لنزع غشاء الجهالة عن جيل بالغ؟ فالاشجار لا تقوّم متى شاخت».. أجل، حتى الاشجار يمكن تقويمها اذا ما فرض عقل قوي ارادته وعمل على تحقيق هدفه... فيا إثارني لهذه القضية التي تؤلم كل فرد منا، اعرض إمكانيات مختلفة، قد تجدي في توجيه الريفية.
هذا المشروع العمراني، حريّ بالتفات المسؤولين عن شؤون المجتمع في بلادنا، وان اهميته من المكانة الى حد بلغت نظر الحكومة الكريمة لتشجيعه وشد ازره؛ كما اراه من واجب الجمعيات، والمؤسسات النسائية ان تضعه على قائمة اعمالها، فتكون بذلك قد خرجت بالمساعدات من حيز المدينة، الى نطاق القرية، فتعين لجاناً من الخبيرات بالتربية، تلقي على عاتقهن مسؤولية توجيه الامهات، بطرق عملية، الى كيفية العناية باطفالهن، ثم عرض العواقب السيئة التي يقود اليها الاهمال وتقع على الافراد، ويتخطى اثرها بالتالي ليتفشى في البيئة.
انها فكرة خيالية، كما يبدو لك، سيدتي، ولكن الارادة المقترنة بالعمل، كفيلة بأن تخرجها الى نطاق الواقع العملي، وكل عمل كان فكرة او خيالاً في بدايته!
ان هذه القرى التي تتغنى بجمالها، فيجمح بنا الخيال بعيداً حتى نكاد نتجاهل حقيقتها، هي ليست بالجملة حقاً؛ اكاد ألمح علامات الدهشة على وجهك، ايتها القارئة الكريمة، ان نظرة الى قرانا هكذا بتناسقها، وانسجام طبيعتها، مع الغابات حولها، تبعث في نفسك نشوة وانتعاشاً، ولكن تعالي معي، لندخل إحداها؛ قد لا توصلك السيارة الى قلبها، بل تضطرين للسير على الاقدام، او استخدام الحيوان، للوصول إليها، وأول ما يطالعك، اطفال تحتضنهم الازقة، ولا من يرشد، أو يهتم بتوجيههم، أين امهاتهم؟ تقولين؟ انهن في العمل الذي تضطرهن اليه حياة الفقر والاملاق، دون النظر الى ما يمكن ان يحدث لهؤلاء الأحياء، المنبثقين
