تقوم فلسفة جان بول سارتر على فكرة - ام ، هي منح الانسان الحرية المطلقة . لا شيء يقيد حرية اعمالنا وافعالنا . وقد اضطر سارتر ، كي يعطي الانسان كل هذه الحرية ، التي لا ترتبط بشرط من الشروط ، اضطر الى ان يلغي كل وجود ، قبل الانسان ، فلا سماء فوق سمائه ، ولا سقف فوق سقفه ، ولا علة فوق ذاته ، ولا جوهر فوق حقيقته . الانسان في بدء من الانسان .
يقول سارتر ما فحواه :
اذا نظرنا الى شيء صنعه الانسان - كبيت مثلاً اوسكين - رأينا ان الصانع يتمثل ، باديء بدء ، صورة للبيت او السكين ، هي التصميم الفكري الذي يوجه الانسان في عمله ، اذ لا يستطيع ان يفعل شيئاً ، لا يتمثل له صورة ، قبل كل شيء ، في ذهنه النظري . زد على ذلك ان الشيء ذو منفعة معينة ، وان الانسان لا يقدم على عمل شيء ، لا يعلم له منفعة . ومن هنا القول ان الجوهر ، بالنسبة للشيء ( البيت او السكين ، مثلاً ) هو سابق للوجود . والجوهر ، في هذا المكان ، هو مجموع الكيفيات التي يعرّف بها الشيء - كالطول ، والعرض ، والعمق ، والشكل ، واللون ، والفائدة - ثم الوسائل التي يصنع بها . ان وجود البيت لاحق لجوهره ، وجوهره فكرة في ذهن الانسان . لقد كان البيت فكرة ، باديء بدء ، ثم تحولت الفكرة واقعاً ، فكان الوجود .
وعندما نتصور الله ، ابان عمل الخلق ، نتمثله - في اغلب الاحيان - كما نتمثل الانسان ، الذي يصنع شيئاً . نتمثله عاقلاً قبل ان يُريد ، اي اننا نسلم بكون الارادة تتبع العقل ، الى حد ما ، او بكونها ، على الاقل ، ترافقه . نتمثل الله عالماً ، بدقة واحكام ، ماذا يخلق ، في خلقة الكائنات . نتمثله يصمم ، اولاً ، ثم يحقق . وهذا يعني ان صورة الانسان ، في ذهن الله ،
هي كصورة البيت ، في ذهن الانسان. ان الله يصنع الانسان، وفقاً لتصور معين ، واساليب معينة ايضاً ، كما يصنع النجار باباً من الحشب ، مستنداً الى التخطيط السابق ، الذي يضعه في التصميم . وهكذا يصبح الانسان مخلوقاً ، يحقق تخطيطاً معيناً موجوداً في ذهن الله . يحقق صورة شاملة هي « الانسانية » . هنا ، ايضاً ، نرى ان الجوهر سابق للوجود . « الانسانية » ، اولاً ، ثم الانسان ، بعد ذلك .
اما الانسان - في رأي سارتر - فهو يختلف تماماً عن هذه النظرة . الانسان موجود لا جوهر له . لم يكن الانسان شيئاً ، قبل ان يكون . هو الوجود ، الذي يريد وجوده ، في اندفاعه نحو الوجود هو الوجود ، الذي يتصور ذاته ، بعد الوجود . هو ، منذ البدء ، مشروع وجود ، يعيش وجوده منطلقاً من ذاته ، اذ لا شيء يوجد في عالم المثل ، قبل ذلك المشروع . الوجود ، هنا ، يفرز الجوهر ، أي ان الانسان يكون بحسب ما يشرعه لذاته . واذا كان الانسان ، في نظر سارتر ، غير قابل للتحديد ، فلأنه عدم في البدء ، أي لا شيء قبل ان يكون . الانسان ، اولاً ، ثم الانسانية ، بعد ذلك . ولذا كان الانسان مسؤولاً ، بالتمام ، عما هو . الوجودية ، في نظر سارتر ، هي التي تضع على الانسان مسؤولية وجوده المطلقة ، اذ لا احد يختار له الخير ، ويقوده من يده الى الفضيلة . على الانسان ان يخلق خيره ( وقد يكون هذا الخير في الشر ، المتفق على انه شر ) . على الانسان ان يخلق شره ( وقد يكون هذا الشر في الخير ، المتفق على انه خير . وقصاراه ان الانسان وجود ، اولاً ، ثم تقيم ، بعد ذلك . وجود ، كوجود الله ، سابق للخير والشر ، الذين يبدآن ما يشرع بفعله . وجوده حرية لا متناهية .
