الانسان ، خيراً او شراً ، في بدء من الانسان ذاته . وهل هي حرية كاملة ، تلك التي تتقيد بلوحتين من القيم ، الاولى للامر ( أي الخير ) والثانية للنهي ( أي الشر ) ؟ وأي معنى يكون ، بعد هذا ، للمسؤولية الكبرى التي يجب ان يكونها الانسان ، والتي تجعل وحدها من الانسان انساناً ، على صورة الله ومثاله ؟
★
يقول سارتر : « على الانسان ان يذهب الى ابعد حدود المسؤولية ، حدود يعينها الانسان بذاته ، أكان الله موجوداً ، ام غير موجود . وهذا يعني ان وجود الانسان يرتكز دائماً ـ شئنا ذلك او أبينا ـ على الاختيار بطريقة حرة . عندما اقول : هي مشيئة الله ، اكون قد اخترت ، قبل ذلك ، بين الايمان بالله ، والكفر به .
« كثيرون هم المسيحيون الذين يقولون للملحدين : لقد اخترتم الحادكم ، واخترتموه بملء حريتكم . لقد اخترتموه عن جبن ، او قوة ، او ضعف . المهم انكم اخترتم الا تؤمنوا بالله .
« ولكن هؤلاء المسيحيين ، يرفضون هذه الحجة عينها ، في الرد عليهم . ألم يختاروا هم ايضاً ؟ لقد اختاروا الايمان بالله . اختاروا الآداب المستحبة ، بصرامتها ، وقبليتها ( a priori ) اختاروا الرغبة في الحصول على اليقين المطلق ، او ، بعكس ذلك ( ما دام المسيحيون لا يملكون كلهم اليقين ) لقد اختاروا ان يعيشوا على غرار بسكال ، اناساً يبحثون بغصة وألم .
« مهما يكن الامر ، لقد صمموا النية ـ اولا ـ على اختيارهم الله ، او على الاعتقاد انهم لا يعلمون شيئاً ، وانهم يقضون الحياة في البحث ، أو على القول بأن الله غير كائن . نقطة الانطلاق هي دائماً اختيار حر ، او تقرير ، كما نقول اليوم ، في اغلب الاحيان » .
يقول هذا الفيلسوف : اريد ان اجعل الانسان مسؤولاً مطلقاً عن وجوده التام ، اكان الله كائناً ام لم يكن . والمسؤولية المطلقة تقتضي الحرية المطلقة . والحرية لا تطلق ، الا اذا كانت بلا قيد ولا غلّ . اذن ، الانسان حر تماماً ، في الخير الذي يفعله ، وفي الشر الذي يتجنبه . هو باعث الحق ، وهو خالق الباطل .
هنا ارى فسخاً في العمارة السارترية . اذا كان مكتشف
الحقيقة هو الذي يهتف : هذا خيري ، وهذا شري . اذا كان الانسان هو الذي يقيّم ، بادئاً من الانسان ، فيجمل او يقبح . اذا كان الانسان وراء الانسان ، اي اذا كان الالف والياء ـ في كل ما يفعل ـ اذا كان هو الذي يوجـد الامور ، لا ارى من ضرورة ( بعد ذلك ) الى ان يكون مسؤولاً . وحيال من يكون مسؤولاً ، ما دام سارتر لا يجعل فوق سقف الانسان سقفاً آخر ، ليسأل ويدين ؟ المسؤولية تقتضي سائلاً ومسؤولاً ، وتقتضي ايضاً ان يكون السائل فوق المسؤول ، ليكون في الحلال ثواب ، وفي الحرام عقاب .
ما هي الفائدة ـ بالتالي ـ من وجود الخير والشر ، ما دام الانسان لا يمكن ان يعاقب ذاته ، حين يكون في بدء من ذاته ؟ اذن ، الوجودية السارترية بين واحد من اثنين : اما ان تعبد الله دون تكابر عليه ، ما دامت تؤمن بوجود المسؤولية . واما ان تلغي المسؤولية ، ما دامت لا تؤمن بانبثاق الخير والشر من الله ، والا تفاسخت اقوالها ، ودب فيها دبيب التناقض .
★
ثم ان هذه المعضلة الضخمة ـ معضلة الله ـ لا يمكن بتها ، بمعزل عن فكرة الموت . لو لم يكن الموت ، لهان الالحاد في نوعه ، اذ لا يعود من ضرورة لوجود الله ، ما دام الانسان باقياً في هذه الحياة ، يأمن شر الفناء . ولهذا كان من واجب الملحد ـ على اقل تقدير ـ ان يتحرر من شوكة الموت ، ليصبح في حل من الله . هذا ما يجب على الملحد ان يفعله ، ليكون منسجماً في تفكيره ، والا ظل الحاده فقاقيع كلام . وقد شعر ديكارت ـ هو الذي غررته نفسه ، اكثر من مرة ، ان يتكابر ايضاً ـ شعر بضرورة التغلب على الموت ، ليأتي الالحاد منسجماً . شعر بأن من واجب الملحد ـ اذا اراد زجر الله ، وشتمه ـ الا يشك ، والا يشتهي ، والا يفتقر الى الكمال . شعر بأن من واجب الملحد ان يغدق على نفسه الكمال اللامتناهي ، الذي يود لو يكونه ، ولا يكون ـ في النهاية ـ الا ما يكونه بالواقع ، أي نقصاً متناهياً . قال : « وهذا دليل كاف اني لست خالق نفسي . اذن ليست الكمالات اللامتناهية التي اتناها لنفسي ( هي من صنع يدي . لقد انيطت بغيري ) » .
