كنت في حفلة منذ عدة سنوات، وكان بين الحضور رجل يحاول اقناع الآخرين بالنظرية القائلة: «ان الزمن والمكان واحد»؛ ولكي يبرهن على ذلك، اخذ الملعقة فوضعها على المائدة قائلاً: «اني احرك الملعقة الى اليمين، ويمر الوقت اثناء قيامي بذلك، كما اني، بهذه الحركة اترك مكاناً فارغاً نسميه، في حساب الزمن، الماضي، وحيث تصل الملعقة هو المستقبل، وهكذا نرى ان الوقت والمكان واحد. وكان صمت، قال مضيفنا على اثره: «على اننا لو لم تحرك الملعقة، يمرّ هذا الوقت، ثم اننا لن نتمكن، باعادة الملعقة الى المكان الحالي، من ارجاع الزمن، فالوقت الآن وفي كل ساعة يمرّ، هو المستقبل»!
وقام جدال بين سلبي وايجابي لم اعره كثيراً من الاهتمام اذ كنت افكر بهذه العبارة التي تغلغلت في فكري: اليوم مستقبلي؛ وقد اثرت الكلمتان في توجيه حياتي الى حد بعيد، فاراحت تفكيري وزادت قابليتي للعمل، وحسنت صحتي!.
يدفعني اعتقادي بأن المستقبل اليوم، لأنظر ابداً الى الامام، فأفكر وأعمل للغد؛ كنت مثل كل حدث يطل على الحياة من جديد، لا اتبع هدفاً معيناً بل اجمع اعمالاً وهوايات وصداقات، لم تكن واحدة منها تقنعني وتكفيني، وكان المستقبل بنظري، سماء بعيدة، تتلاشى فيها الهموم، وتحمل المشاكل والعقبات! ولكن هذه النظرية تلاشت تماماً، واتخذت قوانين اكيف بها حياتي واسيرها على اساس توجيه صحيح، واول ما بادرت الى تنظيم العمل الذي ارتزق منه، فقررت ان اعمل باستقرار بعيدة عن الازعاج، اذ لم اسمع بكاتب او كاتبة، بلغت الذروة من قطعة تسطرها بين المكالمات الهاتفية، او استقبال الزائرين، وكل من احترف الكتابة، يعلم اي مهنة شاقة بين يديه.. كان يقطع علي مجرى التفكير بعض المتطلبات المنزلية، من طبخ وتصليح اثاث، فوضعت قواعد ترمجي من هذه الناحية، كما اكتشفت بأن زائري لن يلحظ الارض او الزجاج غير الممسوح اذا لم ألفت نظره الى ذلك!
قبل ان اسير على الطريقة الجديدة، كنت ارحب بكل من قدم زائراً، اصديقاً كان ام لا، اما الآن فقد حددت علاقاتي مع الذين ارتاح الى صداقتهم فحسب، ثم قررت الا
اجادل في اي موضوع، لاني لا أرى في هذا سوى مضيعة للوقت.
اما في حقل العادات الفكرية، فقد مرّست عقلي على ان يبعد عن كل ما من شأنه إثارة حادث مضى، فلا أقول لو كنت لطيفة مع هذه ... لو امسكت كلامي فلم افه بتلك العبارة ... ومثل هذه السلسلة يمكن ان تمتد حتى تكاد لا تنتهي، فيضيق الاحساس ويصبح الانسان شخصية فاشلة اتكالية. هناك تذكر الامور المفرحة ثم العيش عليها واستذكارها ساعات بطولها، تحسب قاحلة مجدبة في الحقل العلمي.
اني انظر بدهشة وسرور، الى اي شيء املك الان، او اعمله في الحاضر، واذا عدت الى احداث الماضي، فلأباركها كدرجات ارتقيت بواسطتها الى مرتبتي، وكل مفكر يقدر ان يفعل هذا، فيجدّ من الاوقات التي تفلت منه، ولا يحس!
فاليوم خير من الامس، بجدته، وانعاشه، فقد ترك الوقت، الامس، وسار معنا، ويمكن ان يتعلم الفكر هذا، فيسير الى الامام، في كل خطوة وفي كل حين!.

