كان العصر العباسي العصر العربي الذهبي وقمة الازدهار في التاريخ الاسلامي على الاطلاق . وكان عهد الرشيد وابنه المأمون واسطة عقد الاعصر العباسية ، وصلت فيها الخلافة الى اعظم درجاتها صولة وسلطاناً وثروة وعلماً وادباً ، وارتفعت فيها حضارة الدولة العلمية والادبية والمادية الى ارقى وازهى درجاتها .
فما ينقله التاريخ والاساطير عن ابهة بغداد وعظمتها في تلك الاعصر يكاد لا يصدق . تغالى الناس في حاجاتهم وتأنقوا في عيشتهم حتى صارت مدينة السلام تبهر اعين زوارها . وقد كان يبدو استفحال البذخ في البلاط ، بنوع خاص في الاحتفالات الرسمية كتنصيب الخليفة والاعراس الملكية ومواكب الحج والاحتفاء بسفراء الدول الاجنبية وفي حاجاتهم الخاصة . لما مشى هارون الرشيد الى مكة ومشت معه زبيدة كانت تبسط الدرانك امامهم وتطوى خلفهم . ويوم زفاف زبيدة ، اقام والدها وليمة لم يسبقه اليها احد من الاسلام ، ووهب الناس في هذا اليوم اواني الذهب مملوءة بالفضة واواني الفضة مملوءة بالذهب والمسك والعنبر ، وزين العروس بكثير من الحلى والجواهر حتى انها لم تقدر على المشي لكثرة ما عليها من هذه الحلى والجواهر . اما نفقات هذا الزواج فكانت تتراوح بين خمسة وثلاثين وسبعة وثلاثين مليون درهم !!
ولما بنى المأمون ، سنة ٨٢٥ م . ، ببوران ، بنت وزيره الحسن بن سهل ، في « فم الصلح » احتفل ابوها بامرها وعمل من الولائم والافراح مدة تسعة عشر يوماً ما لم يعهد مثله في عصر من العصور . وهذا وصف للعرس كما جاء في « ثمار القلوب »
للثعالبي و « مروج الذهب » للمسعودي - ولما كانت ليلة البناء وجليت بوران على المأمون فرش لها حصير من ذهب وجيء بمكتل مرصع بالجواهر فيه درر كبار فنشرت على من حضر من النساء وفيهن زبيدة وحمدون ، وبنت الرشيد ، وعجائز الخلافة فما مسّ من حضر من الدر شيئاً ، فقال المأمون : « اشرفن ابا محمد ( الحسن بن سهل ) واكرمن بوران » . فمدت كل واحدة منهن يدها فاخذت درة واحدة وبقي سائر الدرر يلوح على حصير الذهب . ويقول ابن خلدون في مقدمته : ان المأمون عندما رأى الحصير المنسوج بالذهب والمكمل بالدر والياقوت ، قال : « قاتل الله ابا نواس كأنه ابصر هذا حيث يقول في وصفه الخمر ،
حصباء در على ارض من الذهب .
وكانت في ذلك المجلس شمعة عنبر فيها مائتا رطل ، فضج المأمون من دخانها ، فعملت له مقلات من الشمع ، فكان الليل مدة مقامه فيه كالنهار . ولما كانت دعوة القواد نثر الحسن بن سهل على الهاشميين والقواد والكتاب بنادق مسك فيها رقاع باسماء ضياع واسماء جوار وصفات دواب وغير ذلك ، فكانت البندقية اذا وقعت في يد الرجل فتحها فقرأ ما فيها واشهد الحسن له بما فيها . ونثر بعد ذلك على سائر الناس الدنانير والدراهم ونوافخ المسك وبيض العنبر . وانفق على المأمون وقواده وعلى جميع اصحابه ومن كان معه من جنوده ايام مقامه عنده وعلى المكارين والحمارين والملاحين وكل من ضمه العسكر من تابع ومتبوع . ويقال ان الحسن بن سهل انفق في هذه الدعوة اربعة الاف الف دينار . فلما اراد المأمون ان يصعد امر له بالف الف دينار واقطعه « الصلح » .
عندما تزوج الخليفة المقتدي سنة ٤٧٤ هـ من بنت ملكشاه ، سلطان اصفهان ، زينت مدينة بغداد باكملها ابتهاجاً بالفرح . وقبل العرس ببضعة ايام نقل جهاز الخطيبة الى دار الخلافة بموكب عظيم سار فيه كبار امراء السلجوقيين بينما كانت الابواق والطبول تضرب . نقل الجهاز على مائة وثلاثين جملاً مجللاً بالديباج الرومي كانت تحمل مقادير عظيمة من اواني الفضة والذهب ، وعلى اربعة وسبعين بغلاً مجللة بالديباج الملكي ، اجراسها وقلائدها من الذهب والفضة . وكان على ستة بغال منها اثنا عشر صندوقاً من الفضة لا يقدر ما فيها من الجواهر والحلي . وكان

