لوالدي الملك، ست عشرة امرأة، وأنا واحدة من أولاده البالغ عدّهم ثلاثة وستين ولداً. ليست الوراثة الملكية التي تؤهل أبي ليحوز على حريم كهذا، بل إن امتلاكه لهذه الدائرة ترفعه في أعين أتباعه وأبناء أمته التي تسير إلى استقلالها العتيد.
إننا نعرف تماماً أن العالم سيدهش لهذا الاستقلال، ونكون بدورنا عنصراً جديداً يدخل ملكوت الاستقلال! ومن عاش منا، خارج بلاده، يعرف تماماً كيف سنطلّ على العالم بعادات وتقاليد خاصة، تتبعها في زواجنا واجتماعاتنا، وعلاقاتنا المتأصلة فينا، والخاصة بنا، دون أي شعب آخر.
لو كانت نيجيريا مقاطعة صغيرة، لما أحسّ أحد بحركتها، ولكن عدد سكانها يبلغ ضعفي سكان كندا، ومساحتها تبلغ ثلاثة أضعاف مساحة الجزر البريطانية، وشواطئها تمتد جسراً موطئاً للحضارات الغربية على الأوقيانوس الأطلسي.
تعود غرابة عاداتنا إلى حداثة عمران بلادنا، فأحكامنا وواقعنا بقية حضارة مضمحلة، معاصرة لعهد سليمان الحكيم.
ذكريات طفولتي حيّ مسوّر يضم عدة مساكن، وكثرة من لداتي، يختلط بنا من حين لآخر فوج من النساء أكبر منا، مع جماعة الخدم الذين يرعون حركاتنا، ويقومون بتأدية حاجياتنا؛ وكل هؤلاء الصغار إخوة لي وأخوات، أما النساء فزوجات والدي، ويعيش الجميع داخل باب عال، يطل على مجلس أبي الخاص، حيث يرأس الحفلات، أو يصدر الأحكام أو يستقبل الأصدقاء والزائرين! بجانب المجلس يقوم القصر العام، الذي يبقى منزل الزوجة الحديثة إلى حين تحمل، أو تجيء أخرى أحدث منها، عندها، تأخذ الأولى جناحاً يعد خصيصاً لها؛ يقوم جناح كل من الزوجات داخل القصر، يسلح سعف النخيل ظله على شرفاته، وتحيط به الحدائق الغناء، ثم هو يحوي كل حاجات الأسر من مأكل أو ملبس.
كان عالمي محدوداً بسور رفيع، يلفت أنظار المارة مدخله الضخم الذي يحرسه نفر من أتباع والدي ليلاً، ويبقى النهار
بطوله مشرعاً، يدخل منه رجال السياسة أو الزوّار أو الخدم الحاملون غلات مزارعه، وكأن تلك الضجة نغمة مستحبة الإيقاع، فكنت إلى أعوام خلت، أعدّها النظام كله.
لا أزال أذكر غياب أمي، وإعطاء الإرشادات للخدم في كيفية معاملتنا وقادني حب الاستطلاع لأسأل أخاً أكبر مني عن سبب هذه الشطحات، فأوضح لي أنها تكون الزوجة المختارة في هذه الأثناء، حيث تبقى أسبوعين إلى جانب والدي، تؤدي واجباتها الزوجية، في حين تكون العروس الجديدة، ضيفة على القصر!
وأرى أن لا بدّ من التلميح إلى الواجبات التي تقوم بها الزوجة المختارة: أولاً هي لا تزاحم الزوجات الأخريات لكسب عطف زوجها، ولكنها تفخر بأن تراقب وجبات طعامه، وترأس الحفلات خلال تلك الفترة؛ تتبع العشاء عادة حفلة غناء أو رقص أو رواية قصة؛ وليست أغاني نيجيريا عفوية، فلكل فصل أغنية تقليدية، كموسم الغرس والحصاد، حتى الفقراء والأغنياء لهم أغانيهم الخاصة.
تقود الزوجة المختارة رواية القصة، وتزاحم الواحدة زميلتها في تمثيل فصول الرواية في قالب شيّق، والجميع، حتى الأولاد، يبرعون في هذا المضمار؛ في آخر الليل، تدخل هذه الزوجة غرفة زينتها لتتجلى وتتعطر، متبعة في ذلك التقليد الأنثوي عندنا، فتجمّل المرأة وفتنتها لزوجها فقط!
تتبع النساء الباقيات برنامجاً رتيباً؛ في الصباح يؤدين الأعمال المنزلية ويلاحظن لعب أولادهن بعد الظهر؛ والغريب أن الغيرة مفقودة من بين هؤلاء النسوة، مع أنهن يشاركن زوجاً واحداً، ويعود ذلك إلى التأمين المادي والارتياح إلى المساواة، فالمرأة النيجيرية تثق بمحبة زوجها واحترامه لها، حتى آخر أيامها، ثم هي تربّت على هذه الفكرة فاستكانت إليها؛ وهي تأتي منزل زوجها ملء أفكارها خضوع واحترام، لهذا الرجل الذي ستشرّف اسمه بإنجابها الأولاد؛ وإخلاصها لزوجها لا يكون على حساب الزوجات الباقيات فلا تحاول مثلاً، حين تكون