ها نيويورك تطل علينا في عظمتها وجبروتها . فهي مقسمة الى اربعة مناطق كبرى منها منطقة مانهاتن حيث كانت اقامتنا والتي هي قلب نيويورك النابض . شوارعها الواسعة تنفرد حتما بتخطيطها تخطيطاً منسقاً مستقيماً وبترقيمها ترقيماً متسلسلاً . تتأمن المواصلات فيها بواسطة السيارات الصغيرة منها والكبيرة ، والقطارات السريعة تحت الارض التي تعمل دون انقطاع . اما ابنيتها الشاهقة ، الفريدة في ضخامتها ، فمعروفة بناطحات السحاب ، وحسبي منها « الامباير ستايت » اعلى بناية في العالم ، حيث يبلغ علوها الالف والاربعمئة والاثنين والسبعين قدماً ، يتألف منها مئة طابق وطابقان . صعدت الى قمتها ، فانكشفت امامي مناظر المدينة الجبارة عن هذا العلو الشاهق ، أترك لمخيلة القارئات الكريمات ان تتصورها .
نظرة الى واجهات العرض في المحلات التجارية ، تبرهن عن مقدرة الباعة في تلك البلاد في التأثير على نفسية الشراء بطرق الاغراء والتشويق . وكأني بهم ، في إغرائهم وتشويقهم ، يأخذوننا هدفاً نحن معشر النساء . وما اكثر المحلات التجارية الكبيرة كمحل « مايسي » مثلاً الذي يستدعي خدمة الالوف من العاملات والعمال ، والذي تستغرق زيارته اياماً ، لا سيما وانه يحوي في اقسامه المتعددة جميع حوائج المرء من ألبسة وأغذية وغيرها .
تعتبر نيويورك اليوم بحق عاصمة العالم ، لما تجمع من البشر على اختلاف اجناسهم وألوانهم ، ولغاتهم . فصحفها تصدر بعشرات اللغات ، ومطاعمها تمثل اغلب جنسيات العالم .
قد يخال البعض السكن في نيويورك مستحيلاً لما هو معروف عن ضوضائها ، غير ان الضوضاء مقتصرة على منطقة مانهاتن ، وفي مراكز العمل فيها ، ويقابلها في مناطق السكن الهدوء
والسكينة التامان . فما أجملها من مناطق تكملها الاشجار ، وتزينها الازهار ويغمرها جو من النظافة والترتيب . ابنيتها في علو واحد ، متسمة بطابع البساطة ، وتتوفر فيها جميع اسباب الراحة . يزيدها جمالاً معرفة سكانها للواجب الاجتماعي - فلا « زمور » يهيج الاعصاب ، ولا صوت راديو يقلق راحة الجيران ، ولا حشرية او تدخل في امور الآخرين ، ولا صراخ ، ولا ازعاج ...
لا بد ، في بلد تعج بملايين البشر ، من وجود مراكز للهو والتسلية بغية الترويح عن النفس ، وهذه متوفرة بكثرة في نيويورك . « فالكوني أيلاند » - مدينة الملاهي العظيمة ، تجمع في برامجها الترفيهية بين الطفولة والكهولة . وبعض المنتزهات العمومية ايضاً بعيدة الصيت ، « كالبارك سنترال » مثلاً حيث البحيرات الاصطناعية وحديقة الحيوانات وغيرها ، و « الروكفلر سنتر » الذي يقصده الرواد للتزلج على الثلج الاصطناعي . هنا ، في هذا المنتزه كما في غيره ، تبرز العقلية الاميركية في فطرتها على حب المرح والحياة ، وفي عدم الرضوخ للعجز والزهد . انظر تلك العجوز التي كلل رأسها الشيب بجانب طفلة دون السادسة من عمرها ، تتعلم الدرس نفسه في التزلج ، متحدية في ذلك الفكرة الشائعة عندنا ان التمتع بالحياة وقف على الطفولة والصبا . وكم أعجبتني العقلية الاميركية واكبرتها لاحترامها القوانين والانظمة ، فبمجرد ان قرأت في احدى الاماكن العمومية رقعة تقول ان البصق على الارض ورمي الاوراق كمخالفة لقوانين الطب والاجتماع ، وجدت المكان غاية في النظافة والترتيب .
ليست نيويورك غنية بمراكز اللهو والتسلية فحسب ، بل وفيها ما يشبع رغبات المرء العقلية والنفسية ، فمتاحفها ، ومختبراتها ، ومكاتبها عديدة ، جميعها تهدف الى توسيع أفق المعرفة والعلم .
هذا تمثال الحرية ، وناطحات السحاب ، والجسور المتعددة التي في طليعتها جسر واشنطن ، والأنفاق الطويلة تحت الارض وتحت الماء ، وبناية الامم المتحدة وأهميتها السياسية ، تنطق بعظمة نيويورك الجبارة ، وتشهد بهمة شعبها وتضامنه ، وبسهر الحكومة على مصالح رعيتها .
بالقطار الى واشنطن
بعد قضاء اسبوعين في نيويورك ، توجهنا بالقطار الحديدي الى واشنطن العاصمة ، وما اسهل المواصلات بينها وبين