اكاد « انفلق » من نفسي هذه الأيام .. بعد ان طال « انفلاقي » من الناس .. فأنا كسول ملول متشائم .. اقضي اليوم في تثاوب واسترخاء .. لا احرك يداً الا لأتناول سيجارة ولا احرك شفة الا لأرشف « شفطة » من القهوة .. اذا تكلمت فرغماً واذا مشيت فلانقطاع السيارات من الطريق ساعة امشي ..
واصبح « الكسل » عندي فناً من الفنون .. اتقنه واضع له المعادلات والقواعد .. ووجدت لي في بيروت انصاراً يتحمسون لفكرتي وينادون بها آملين ان ينقلب المجتمع العربي ، نتيجة لدعوتهم ، الى مجتمع كسول هاديء يكره الضجيج والصخب .. ويعشق الصمت والهدوء ..
يشدني كرسي المقهى اليه أنا وزمرة من الشباب ساعة تلو الاخرى ... حتى تكاد الكراسي تئن من الجلوس ولا ينهض الواحد منا الا ليرمي نفسه في اول سيارة ثم يسرع الى الفراش ليجد فيه راحة بعد « تعب » النهار ..
واتاحت لي فكرة الكسل هذه .. التي اعتبرها « تبريراً » فترة تحضير لانطلاقة كبرى تعوض ما فاتني من انتاج .. اتاحت لي فرصة فريدة للتفكير
في هذا المجتمع الذي نعيش فيه .. فكم من الساعات جلستها ارقب المارة من نافذة « المقهى » .
هذه المجموعة البشرية الضخمة تركض لاهثة في الشوارع تزاحم بعضها بعضاً .. وتتدافع في سبيل الرغيف .. وهذه الحركة الدائمة التي تحطم الاعصاب لا تهدأ وتسكت الا بعد ان تطوي في جوفها الوفاً من النفوس المتألمة التي عجزت عن ان تحصل على الرغيف .. وهذا الشعب المكافح الجبار ... كم قاسى وكم كافح ليحتفظ بكيانه وكيانه مزعزع لا يثبت .. وهذا القطار الزاحف من البشر .. الى اين يزحف .. الى مستقبل غامض مخوف بالاشواك ..
وبكيت .. نعم بكيت .. وبكى معي هذا القلم الساخر العابث الذي فقد ايمانه بكل قيم وبكل كيان .. بكى
لانه رجع بخياله الى قرون مضت يوم اتى « الغربي » الى هذه الديار .. ونظر فرأى الجبال تقرب من السماء .. فتهلل وجهه وصعد الى رأس الجبل ثم رفع رأسه الى الله مستجدياً .. علّ الله يجود عليه بفتات يقتات به .. فطرده الله ولفظته السماء .. فنزل الى بطن الوادي وامسك بفأسه يهوي بها على الارض القاحلة فيخرج عسلاً وعلى الصخر الصلد ليخرج ذهباً .. ونظر الى ارضه وقد بللها عرقه فرآها جنة الله على الارض .. فهوى عليها بشفتيه مقبلاً .. ومحتضناً .. ثم صعد الى رأس الجبل ورفع رأسه الى الله شاكراً لا مستجدياً .. وقال: اللهم اغفر لي مذلة الاستجداء واقبل مني شكر النعم .. انك لغفور رحيم ..
نعم بكيت .. « وانفلقت » من نفسي ومن مئات من الشباب مثلي .. الكسالى .. الحيارى .. كيف لا يعملون مع هذا الشعب المكافح وهم الصفوة المثقفة في سبيل بناء وطن وكيان اقوى واثبت ...
مفلوق


