العرس ببياضه وهيبته . وعقب ذلك برزت صورتها امام ناظري وهي ملتفة بالسواد ، محنية الظهر ، بارزة العظام ، تسكب الدمع بسكون ، احاكيها وانظر اليها بالحاح ولكنها لا تجيب ولا ترفع عينيها عن مربع صغير من السجادة الممتدة تحت قدميها ... فقد سقطت الطائرة التي كانت تقلّه من الغرب واحترق ركابها جميعاً قبل الزفاف بثلاثة أيام ... لم يحدث الألم الشديد أي رد فعل عندها في الدقائق العشر الاولى ، بل كانت ضائعة مذهولة لهول النبأ ، مشدوهة النظرات مبلّدة الاحساس لجسامة المصاب ، ثم تحوّل الجمود الذي طرأ عليها الى نوبة حادة وثورة جنونية مخيفة تلاها صمت باك وإطراق مستمر استوليا عليها ستة اشهر كاملة . واخيرا تخيلتها يوم حدثتني منذ عام بصوتها المهيض تقول :
— ابوجد يا دعد في الكون اناس متشابهون شبهاً كاملاً ؟ أسألك عن ذلك لاني لمحت شرطي سير في احد مفارق الطرق في الصالحية على خط الترام واؤكد لك بأن الشبه بينه وبين من قصّ موته أجنحتي مخيف ! حوّلت نظري عنه وقلت لنفسي اني واهمة بلا شك . ولما عدت ظهراً الى الدار ، وهذه طريقي الوحيدة اليها ، وجدته واقفاً يقوم بعمله الشاق ، فسمعت دقات
قلبي تشتد وتقوى واشتهيت ان اغادر السيارة لاقترب منه واتحقق من هويته .. بيد اني سرعان ما عدت الى الواقع المر ، فوصلت الى الدار منهكة القوى ، خائرة الاعصاب . وفي اليوم التالي تمنيت الا اراه ، لا لان جراحي اندملت وخفت من نكأتها ، فان جراح القلب تترك فيه آثاراً لا تزول ولكن تحاشياً للرعشة المؤلمة التي انتابتني حيناً وقع نظري عليه في اليوم السابق . ولما وصلت الى النقطة ذاتها ، وجدته ماثلاً امامي ، مشغولاً بمراقبة السير ، يحرك الاشارة الخضراء ثم الحمراء بالتتابع ويصفر للمخالفين عند اللزوم ، ووجهه النضر يعبّر عن الاباء ونظراته الجدية تنطق بالرجولة والكرامة . وكان ان فتح لي الاشارة الخضراء فمررت وخيّل اليّ انه ابتسم ابتسامة رقيقة . ليس بغريب ان يبتسم لي ويحييني كما اصبح يفعل كلما مررت به لان شرطة السير يعاملون النساء القليلات اللواتي يسقن سيارات ألطف معاملة . وهكذا فقد ادمنت على رؤية هذا الشرطي ، واصبح وجوده في طريقي ضرورة قسوى ، بل حاجة ملحة . فصرت استأنس برؤيته ، واجيب على الابتسامة التقليدية التي ترتسم على محياه كلما يراني بإيماءة خفيفة من رأسي . ولن اخفي عنك اني بتّ اشعر بوحشة كبيرة اذا ما اجتزت الطريق وعدت منها دون ان يقع نظري على هامته المستقيمة ، وهيكله الجميل ... ان رؤيته يا دعد تحرك لواعجي ، وتبعث في نفسي وجداً وشوقاً وحرقة تسبب لي الماً مبرحاً بيد اني لم اجد في ذلك الألم راحة كبرى !
لقد اتعبتني الذكريات والرؤى التي تواردت على خاطري بعد ذهاب علياء ، وحرمتني من قيلولتي المعتادة . فقادني واجب الصداقة الى دار خياطتي روز حيث ابتكرت لها قصة صغيرة برّرت فيها اهتمامي بشرطي السير هذا الذي ظل يعمل حولاً كاملاً في مراكز منطقة « الصالحية » ثم توارى فجأة عن الانظار منذ ما يقرب من ثلاثة اسابيع . كما اعطيتها اوصافه ورجوتها ان تسأل اخاها علّه يتمكن من اهدائنا اليه .
وفي صبيحة اليوم التالي تلقيت من الخياطة مخابرة هاتفية قالت لي فيها :
— « تستطيعين ياسيدتي ان تنبئي زوجك عن ذلك الشرطي ، لقد عرفه أخي ، وصرّح لي بأنه من خيرة موظفي دائرة الشرطة وانه تقدم منذ بضعة عشر يوماً الى المديرية باستدعاء يطلب فيه اجازته السنوية ، وتحويل عمله من تنظيم السير الى عمل اداري فاستجابت المديرية لطلبه بسرعة لانه لم يقبل الانتقال من مركزه المتعب الذي احبه وتمسك به منذ عام الى مراكز اخرى اخفّ حركة واقل تعباً ... »
وهكذا ، بعد انقضاء عام مضنٍ ولكنه ممتع على هذا الشرطي في مكان احبه ووجد فيه أنساً وعزاءً وصوراً متنوعة توالت امامه كل يوم ، آثر التضحية فتوارى في زاوية من زوايا الادارة ، ليقوم بعمل رتيب ، حيث لا إشارات ولا وجوه ، ولا ابتسامات ولا صدود ...

