اترى هذا الفنان نقل لبنان كله الى محترفه.. قرية قرية، .. وربوة ربوة ؟ لكل لوحة حكاية تمور بالالوان ... وبالذكرِ، وليس كالانسي، ضنين بذكرياته، حريصٌ محافظ عليها، في فرط محبة، فلا تضيع. فهو بدون جهد، يطلع لك من مخبآته في الزوايا لوحات ترجع الى حداثته، وتلك من عهده في الاردن ( ١٩٢٢ - ١٩٢٧ )، وهذه من دراساته بباريس ( ١٩٢٧ - ١٩٣٠ ) وحولك مئات اللوحات من نتاجه الخصيب في لبنان، الربع القرن الاخير.
لاحظ الاعتزاز في عينيه اذ يريك لوحات لأبيه الطبيب تمّ عن دقة وذوق كبيرين ... هنا مجلى السر في ان الفن لدى الانسي موروث اصيل، تأتّت له تربة صالحة، وتعهدٌ صالح، فنا وارتعى وازدهر !
وللفنان خليل الصليبي وزوجته فضلهما في اكتشاف الانسي وتوجيهه، فقد تنبها لبكر مواهبه الخارقة وهو بعد طالب في
الجامعة الاميركية، وتوطدت بينهم الصداقة. «سواك من الناس، يا بني، خُلِق للطب او للمحاماة، » قال له الصليبي اكثر من مرة، « اما انت فنسيج في الفن وحدك ! » ... وهكذا هجر عمر الانسي الجامعة الى مجالي الفن الرحبية.
كان ذلك سنة ١٩٢٢ ومنذ ذلك الحين لم ينِ صاحبنا مستكشفاً آفاق الفن، جوّاباً في دنياها، يستوحي ذات نفسه، فلا يخضع لمدرسة معينة من مختلف المدارس الكلاسيكية او المحدثة. اية تطورات طرأت على الفن في الحقبة الاخيرة، وبقي لعمر الانسي مدرسته الخاصة يتبعه فيها من شاء من الناشئين. وهو، الى هذا كله، دائم الاستطلاع والدرس، لا يقرُّ يوماً انه بلغ في الفن شأواً يرضى عنه ... محترفه مرتاد علية القوم والهواة، ولا فرق في استقباله الجنرال ويغان او السيدة بنروز، وتلاميذه الصغار !

