حين استغرق الولدان في النوم وسمعت ليلى صوت تنفسها الرتيب ، جلست على حافة السرير والقت رأسها على الوسادة ، لتستريح فترة من الزمن ، ريثما تدعوها ربة البيت . وظلت متكئة على جنبها ورجلاها خارج الفراش ، دون ان تفكر في خلع ثيابها ، لأن الساعة لا تزيد على العاشرة ، ولا بد ان تدعوها الست ماري لحاجة ما ، لتناولها الابريق ، لتنزل لها الناموسية او لتقفل الشباك .
لكنها سمعت صوتها وهي تخاطب زوجها في الردهة - واحست بخطاها تتجه نحو غرفة النوم . ثم انطفأت الانوار وساد السكون ولم ينادها احد ..
أتراها عثرت على سيدة رحيمة ، رقيقة القلب ، افضل من تلك التي بدأت عندها خدمتها ؟
ووجف قلبها حين فكرت في الست سلمى التي فارقت بيتها منذ اسبوعين . لقد سمحت لها بالذهاب حين أصيبت بالانفلونزا . فذهبت الى بيت امها على امل الرجوع . ولم ترجع . وظلت طيلة اسبوع ترى في نومها احلاماً مفزعة فتنهض من فراشها من غير وعي ، اذ خُيّل لها ان الست سلمى تناديها بصوتها الحشن ، فتذهب لترى ماذا تريد ، وتصطدم بالجدار في غرفة امها الضيقة الحقيرة ، فتعود ادراجها وتدفن رأسها تحت اللحاف .
ان معلمتها الجديدة تظهر لها كل عطف . أتراها تبقى هكذا ام تتغير ؟ هل ينم وجهها عن لطف حقيقي ام مصطنع ؟
كانت الست سلمى لطيفة معها في اليوم الاول لدخولها ، تقابلها بابتسامة عريضة ، وكذلك كان اولادها الاربعة . ثم ما لبثوا حتى انقلبوا . بدأ هذا حين اخذت الاولاد للنزهة فلعبوا بالتراب وتراشقوا بالحجارة ولم تستطع كبح جماحهم ، فعادت بهم الى البيت ذليلة ، كسيرة النفس .
اما الوالدان فبدلاً من ان يؤدبا الاولاد ويوبخاهم ، انهالا عليها باللوم والشتم ، كأنها هي المسؤولة عن سوء تربيتهم .
ومن ذلك الحين بدأ اضطهادها . اذا كسر الولد ابريقاً او وسّخ ثيابه فهي المذنبة ، لا الولد . اذا ضاع زرّ القميص او تأخر صانع الفران عن الحضور فالذنب ذنبها .
تنتظر ان ينتهي الجميع من الاكل في الساعة الثانية بعد الظهر فتأكل فضلاتهم ، ولكن بعد ان ترفع المائدة وتغسل الصحون ، حين تكون منهوكة القوى ، تكاد تموت جوعاً . ولم يسعها ان تأكل حين تجوع ، لأن خزائن الاكل مقفلة ، ولا يمكنها ان تأكل قبل انهاء شغلها .
مرة اشترت ببدرياتها قليلة مقداراً من الفستق والملبس وضعته في غلاف أخفته في حقيبة ثيابها . فوجدت الغلاف مفقوداً في اليوم التالي . وعرفت ان الاولاد سرقوه وخشيت ان تخبر الأم لئلا تصيح في وجهها : تتهمين اولادي بالسرقة ؟؟ انت وحدك السارقة !
كم حاولت ارضاء تلك السيدة فلم تنجح . كانت تحتمل ضرب الاولاد وشتائمهم ساكنة . تسهر الليل في رفء الجوارب او في ترقيع الشراشف الممزّقة التي تنام عليها ، او في مطاردة البرغش الذي يهاجمها ، لأن صاحبة البيت تبخل عليها بالناموسية .
هل تكون هذه المرأة افضل من تلك ؟ ان بدايتها حسنة ، لا ريب في ذلك . صحيح ان الولدين كثيرا الغُنج والعناد ، كباقي اولاد الاغنياء ، لكنها اقل توحشاً من اولاد الست سلمى . ويظهر انها اقل نهماً او شرهاً الى الطعام فلا يتخاصمان على قطعة حلوى . والام قليلة الرغبة في الكلام والصياح . اذا ارادت شيئاً لا تطلب دائماً من الخادمة ان تجيئها به بل تذهب الى حاجتها بنفسها حين تكون الخادمة مشغولة . وفي هذا النهار نفسه ، حين كانت ليلى منشغلة في تنظيف الصحون ، صعدت بنفسها الى السطح وجمعت قطع الثياب الناشفة ورشتها بالماء لكي تكويها الخادمة حين تنتهي من شغل المطبخ . أليس هذا مدهشاً ؟
انها تكاد تعبد هذه السيدة الجديدة . ولسوف تبذل كل ما في وسعها لتظل راضية عنها ، رفيقة بها ...
