امي ، أنا ذاهب ولن تصحبيني في سفري لأنك ضعيفة .
انت اضعف من ان تفارقي ذلك الرجل الذي يدعونه ابي ، وانكر عليهم ما يقولون .
قد يكون هو سبب وجودي ، ولكنه ليس هو الذي جعل مني الشاب الذي ترين .
اين هو ، ذاك الذي كان لي اكثر من اب وام ؛ لقد اضعتموه ، وانا في صباي اللاهي لا احس شيئاً من الواقع .
اذكر - وما اتعس ذكرياتي - طفولة سعيدة ، كان لي فيها ام حنون ترعاني الليل والنهار ، ووالد رؤوف يداعبني في اوقات فراغه ، وصبي محب لا تكف عيناه عن مراقبتي .
تلك كانت طفولتي البعيدة ، بُعد السعادة عني الآن . ولكنها لم تدم ، بل لم تطل الى صباي .
اتظنيني لم افتقدك ، حين ابتعدت عني شيئاً فشيئاً ؟
اتعتقدين حقاً اني كنت اصغر من ان انتبه الى جفاء ابي وعدم مبالاته بي ؟
لقد بكيت طويلاً في حضن ذلك الصبي ، اخي الأكبر .
ولكن الاطفال سرعان ما يعتادون حياتهم الجديدة .
اماه ، انت لا تدرين اية كنوز من الانسانية والمحبة حوّتها نفس اخي .
اتعرفينني جيداً يا اماه ؟ اتعرفين ذلك الطفل الذي انجبته من صلبك ، ذلك الشاب الذي يصفه الناس بكل جميل ، ويتنهدون حين يذكرون والديه ؟
انا لست ابنك ، ولا ابن ابي ، بل ربيب اخي .
اخي الذي يكبرني ببضع سنوات ، اخي الذي جمع الى حنانه ومقدرته ، تواضعاً وهدوءاً ، اخي الذي كان ينظر بأمل الى مستقبله ، اخي الذي كان لي كل شيء ، ماذا فعلتم به ؟
أأنت ، والدة ام زوجة فقط ؟
بأي عين تنظرين اليه ، ذلك الرجل الجامد العواطف الذي يدعونه ابي ؟ كيف طاوعك قلبك - قلب الأم - على التضحية بمستقبل ولدك الاكبر ، في سبيل رجل لم يعد يعرف من الدنيا الا انها صالة للميسر ؟
لقد عرفت الألم لأول مرة حين رأيت اخي يتألم . لم يفصح لي عن شيء . ولكن الا تكفي الايام والليالي التي قضيتها في حماه لأفهمه ؟
امي ، الم تفطني لشغفه بالعلم ؟ اظنني كنت اعرف عن احلامه وآماله في المستقبل اكثر مما تعرفين عني الآن .
وبكل قسوة ، سلخت عنه امنية حلوة ، وجعلت منه قبل الأوان رجلاً عائلاً .
ام تريديني ان اشكرك لأنك جعلت مني امله الوحيد وشاغله الاول في حياته ؟
استحلفك يا امي ان تجيبيني : حين طلب مني ذلك الرجل المقامر ان اقوم له بحاجة ، مستنداً الى ابوته ، الم اكن محقاً اذ اجبته : « لست بأبي » ؟
كنت على وشك ان انكرك انت ايضاً يا امي ، لولا النظرة الدامعة التي كنت تلقينها علينا ، انا واخي ، كل يوم ، قبل ان تلحقي بزوجك لتسهري عليه .
امي ، كان اخي مجبني ، وكان مستعداً للتضحية في سبيلنا جميعاً ، ولذلك لم يتردد حين طلبت منه ان يدع الدراسة ويعمل .
ولكني لست مثله . اريد ان اعيش واتمتع بحياتي . لقد انشأني اخي على الاحترام والمحبة والرحمة . ولكني لم احترم غيره ، ولم أشعر بحب في حياتي الا نحوه ، ولن اكون رحيماً بمن لم يرأف به .
وقد كان اولى بي ان اصبح مثله في التواضع والعطف ، وظللت الى عهد قريب اعتقد هذه الصفات بنفسي . ولكنه حين ذهب ، اصبحت انانياً ، قاسياً ، محباً لذاتي ، كذلك الرجل الذي يدعى ابي .
امي ، لقد مات اخي ، مات من التعب ، ولم يبق لي ما يشدني الى المنزل او يربطني بالوطن .
انا ذاهب يا امي ، لا تسأليني الى اين فأنا نفسي لا ادري .

