ايها البحر ! يا مجري المنبسط بالزرقة والنور والصفاء .. هناك في أفقك ، تمخر سفينة هائلة ، تتهادى بين امواجك ضاربة بصفحتك الهادئة ، برعونة وصخب ، وتشق قلب مياهك بجنونها ، فتترع سكينتك الحالمة ضجيجاً ، وتستخف بأمنك وعمقك ..
وفي صفحة نفسي سفينة أشد هولا ، قد اتخذت من قلبي ربانا ، يسير بها في بحار مشحونة شوقاً ووجدا وغموضا .. فهو رضي هانىء ينجذب كيانه حيث يتوسم النبالة والفيض فيغدق بضعفه قوة الصمود في ملامح العاصفات ، ويهب في استكانته المريرة ، جرعة النشوة تحتسيها النسور في رحب اجوائها ..
وهو متخاذل عفوي الحياة ، يتسربل ثوب الغناء بعين بصيرته الحاذقة ، فيرى الوجود وحشة تسري في روح فتية ، آلفت العيش وآلفها ..
في صفحة نفسي سفينة مترعة الاحمال مملوءة الاثقال والشاطىء منها بعيد ، لا يمد يد عون ، ولا يرسل خفقة نور ، واحمال سفينتي رواسب أجيال كاملة ، جعلت من الكائن اللاهث الى السمو وصمة نادرة ، ألحقتها بمن اوجدتها الطبيعة لتكون أنثى ، فان قالت ، تساءلوا : أتقول ؟ وان سمعت حملقوا في وجهها ، يتأكدون ان لها اذانا ؟ وان شعرت ، طاروا بأيديهم الى ضلوعها يفتشون عن منهل الشعور منها ! ايكون
قلباً ياقوتياً وضعه الله ، في الكيان الجديد ، الذي بدأ يعرف ان في الكون شعوراً !!
سفينة نفسي أيها البحر ، تجوب انحاء الألم ، لتلثم كل جرح ، وتئن مع كل غصة ، وتجهش في صمت مع المعذبين واليائسين والباكين ..
سفينتي تتموج بالايمان ، لتسعد بنشوة الوحي ، ترسله مقلة عابدة في محراب مسجد ، أو لهاة مبتهلة في دير كنيسة ..
سفينتك قاهرة عظيمة ، متينة البنيان ، مزركشة النواحي وسفينة نفسي مثلها قهرا ومتانة ، ولكن ليس لها هولها إنها تذوب تحنانا ، لبسمة طفل ، والتفاتة شيخ ، وتكاد ترزح ضعفاً في اضرحة الماضي ، بين امجاد التاريخ وزفراته المعولات ! ولكم تسعى عبر القرون ، تعانق اطيافا احتبتها ، لتهتز كل جارحة فيها امام ربيب الصحراء اليتيم ، وتجاه اسمر الناصرة المصلوب !
سفينتي تسعى بين القنوط وجزره ، فتذريها عاصفة من مشاعر واجة بائسة يحدوها سعي لانطلاق نبيل ، لسمو عاصف ، لحرية خالصة من الاصفاد .
وفي السفينتين تقارب أيها البحر أخاذ !
لسفينتك خطوات وئيدات تلتمس ذراع الميناء لتحتويها وتلقي اثقالها في جنباتها ..
ولسفينة نفسي انجذاب الى الفناء ، وانعطاف ملح لا كنتاه الموت ، للمسته الحنون على مفرقي ، للتمرغ الممض على منكبيه ، ينقذان روحي من آمالها الهزيلة ، ومن اعمالها المادقة المضلة !
في سفينتك أيها البحر كل مقدرة الانسان وحسن ذوقه وجمال تنسيقه ، فيها الموسيقى شجو وطرب ، وحلقات اللهو معقودة في الأبهاء ، والمسافرون على ظهرها ، يدهم الأفق احلاما زرقاء ، وتترعهم سكينة السماء أنساً شجيا ..
وفي سفينة نفسي أضواء اشد بريقاً واختطافاً ، تضيفها بسمة صداقة تزيد حدة نورها ، وتمر عليها كلمة معسولة فتتدفق حبوراً ، وتسحرها الوداعة والكياسة فتجثو لكل نفس كبيرة خيرة ، وتسجد امام حفظ الجميل يأتيه طفل يتيم في وردة يهبها في صباح شتاء . !
في سفينتك أشكال من الناس وألوان منهم ، فيها الفرح والحزين ، والمودع والآمل والمستبشر والمتشوق ..
فيها الشيخ يرجو النقاهة والسلامة ، والتاجر مشبع الحلم بالكسب العريض ، والأطفال هزج ومرح لا يبالي الوصول الى افريقيا او التأني في سير بطيء لا يعرف نهاية ولا أربا .. والحالمون على دفتها ، ما أعذب امانيهم وما اكثرها واشدها تنوعاً وحلاوة !
أيكون بينهم كاتب كبير ، تناغي أخيلته واسع اليم العجيب فينفذ غواصا في لجة الاعماق ، مستخرجا لؤلؤاً فكريا رائعاً بروحانيته وندرته !
ام لعل هناك فتاة وحيدة ، مستطارة القلب والفكر تدفع بكل احلامها الى النجوم والغيوم ، لتغيب في

