بذلك نفساً. فقال له يحيى بن خالد البرمكي: لا تفعل. اجابه الرشيد: أليس اخي يترك لي الهناء والمرىء فيها يسعاني واعيش مع ابنة عمي زبيدة.» لم يكن لزبيدة مزاحمة في هذه المرتبة العظيمة التي يذكرها لها التاريخ سوى عليّة اخت الرشيد لأبيه، والعباسة. فكانت الاولى من اجل نساء دهرها، ذات موهبة موسيقية فائقة، والثانية ذات ثقافة عالية وذكاء نادر، ولذا كانت دائماً تحضر مجلس الرشيد.
لقد كان يحلو للخلفاء مرافقة نسائهم لهم وقد ذكر المؤرخون عن احد المعاصرين للمهدي، قال: «رأيت المهدي وقد دخل البصرة من قبل سكة قريش، فرأيته يسير وابنته البانوقة بين يديه، بينه وبين صاحب الشرطة، وعليها قباء اسود متقلدة سيفاً عليها منطقة رشاشية في هيئة الغلمان.» اما زينب، ام المؤيد، فكانت اشهر عالمة في الشريعة تربعت على كرسي التدريس وعلمت الفقه والحقوق، ونالت من اهم علماء وفقهاء عصرها شهادات لمقدرتها الخارقة وعلمها الواسع.
لم يكن نفوذ المرأة وظهورها في هذا العصر مقتصراً فقط على نساء الطبقة العالية كالخيزران، وعلية وزبيدة وبوران والعباسة بل تعهداها الى نساء العامة. فكانت من فتيات عربيات يخرجن الى الحرب ويقدن الجيوش وينظمن ويناظرن الرجال في اسواق الادب والفن. وهكذا كانت «فضل» الشاعرة التي كان شعرها يعد انفس ما انتجه عهد المتوكل من ادب. وهذه الشيخة «شهيدة» التي كانت تحاضر في بغداد في القرن السادس الهجري، عن التاريخ والاداب، والتي اشتهرت بجمال
خطها وكماله. وهذه عبيدة الطنبورية التي ذاع صيتها في عهد المعتصم كما اتصفت به من الجمال وحسن الصوت والمقدرة على العزف.
اتفق للنساء ايام حضارة العرب ما لم يتفق لاخواتهن حديثاً في اوربا من التقدم. لقد كان الفرق شاسعاً بين حالة المرأة العباسية والمرأة في الغرب في ذلك الوقت. وجاء تاريخ غاران لولوهيران في معاملة النساء القاسية في عصر شارلمان وعن معاملة شارلمان نفسه لهن مايلي: «انقض القيصر شارلمان على اخته في اثناء جدال واخذ بشعرها وضربها ضرباً مبرحاً وكسر بقفازه الحديدي ثلاثاً من اسنانها.»
وعندما جاء اواخر القرن العاشر، واستلم الحكم البويهيون، حُدّت حرية المرأة، وعزلت عن الرجال وحكم عليها الحجاب. خبت حضارة قدماء الخلفاء الساطعة في عهد وارثي العرب ولا سيما الترك، وتضاءل شأن المرأة كثيراً
وانحط الى اسفل الدركات التي وصفتها الف ليلة وليلة، حيث جعلت المرأة مثال المكر والخبث ومنبع الفساد والافكار السافلة. وهذه الرسالة التي ارسلها ابو بكر الخوارزمي (١٠٠٢م) الى صديقه معزياً اياه على فقد ابنته، يبين لنا الدرك الذي وصلت اليه المرأة بعد ذلك العز والمجد، قال: «لولا ما ذكرت من سترها ووقفت عليه من غرائب امرها لكنت الى التهنئة اقرب من التعزية، فان ستر العورات من الحسنات ودفن البنات من المكرمات، ونحن في زمن اذا قدم احدنا فيه الحرمة فقد استكمل النعمة، واذا زف كريمته الى القبر فقد بلغ امنيته من الصهر.»
وهكذا بقيت حالة المرأة من جمود وتحجب وعزلة وامتهان حتى اواخر القرن التاسع عشر حين ابتدأ نجمها يلمع من جديد واخذت تتبوأ مركزها اللائق في المجتمع.