« كحلم مرّت سنوات اربع ، قفل جبران بعدها عائداً الى بوسطن ، وقد تمكن من عربيته الى حد العجب ، وابحرت انا الى رومية تلميذ فن ، غرقتُ فيه حتى اذني .. »
★
في باريس سنة ١٩١٠ عدنا فاجتمعنا وقد بات الفن جزءاً لا يتجزأ من صميمنا الذاتي ، من حياتنا اليومية - وكانت متعة المتع اشتغالنا في محترف واحد ، واستئناف جولاتنا الادبية الفلسفية ، وقد بلغ جبران منها شأواً عالياً ... واستئجارنا نموذجاً واحداً ( Model ) للاقتصاد !! - تلك شهور من عمري غالية .
اذكر جيداً يوم التفت اليه والضوء مندفق ناحية رأسه ، فتحولت سريعاً عن النموذج ، وبثلاثة ارباع الساعة انتهيت من رسمه ... اذكر كيف شهق جبران للرسم وكم اعجبه ! .. وبريشته هو احدث هذا الشكل المستدير على الصدر . والرسم باق بين آثاره في بشري .
★
وبعد عودته الى اميركا لم يعتر صداقتنا فتور . بقينا نجد في تبادل الاحاديث ترفيهاً عن نفسينا . وفي احدى رسائله لي يقول :
« اشغالي سائرة نحو قمة الجبل ، وافكاري هادئة ، وجسدي يتمتع بكل ما في الصحة من لذة الوجدان ، ولكنني لست مغبوطاً يا يوسف ، ونفسي جائعة ظامئة الى مأكل ومشرب لا ادري اينها . النفس زهرة علوية لا تعيش في الظل ، اما الاشواك فتعيش في كل مكان . »
« ... واحياناً ، اذ جبران ثائر على وضعه ، يرم بالمعاكسات التي كانت تحدّ من حريته وانطلاقه ، كان يقول لي بين الجد واللعب : « غداً ، يوم تعمل اثراً تذكارياً ، ليكن على شكل اسد ناهض يزأر ! » -
والتفت الحويك اليّ معلقاً :
« ولكن جبران يا صديقي لم يكن يشبه الاسد ، كان الى الحمل في وداعته ورقة قلبه اقرب ! »
( البقية على الصفحة ٤٣ )

