... عادت الذكرى بطاغور الشاب إلى سنيه الغابرة ، إلى يتمه ووحدته في كنف الطبيعة ، إلى آماله وأمانيه وقد عفت عليها السنون فضاق به العيش فشكا وحدة روحه المتمردة وسئم انقباضها المستمر فراح يفتش عن روح تجانسها فترافقها فتستقر .
وتعرف الشاعر إلى فتاة أحلامه وهي فتاة هيفاء ، نضرة الصبا ، فأعجب بطراوتها وذكائها ووجد في قربها طمأنينة لا تحد . فحرك الحب قلبه وأوحى إليه غير نشيد . ولعل مسرحيته « شترا » التي اقتبس فكرتها من أساطير اللغة السنسكرتية كانت أول مجال أطلق فيه العنان لهذا الشعور .
و « شترا » هذه امرأة كُبتت في نفسها حس الأنوثة فنشأت نشأة الرجال لتستعيد ملك أبيها . إلا أن الطبيعة البشرية لم تلبث أن استعادت حقها فما أن التقت « شترا » بـ « أرجونا » أول رجل عرفته في حياتها ، حتى تداعى استرجالها تحت وطأة الحب العاصف فتفتقت أنوثتها الخصيبة كما تتفتق براعم الربيع ، وأرسلت هذا الاعتراف الصريح :
« لقد شعرت أني امرأة حقاً فخلعت زي الرجال وعشت بقلبي للرجل » .
ولبث شاعرنا في كلكتا ينظم الشعر ويرسل الأنغام وفيها من لوعة الحب غير القليل حتى استدعاه أبوه إلى الريف ليعنى بضياعه فيها ففعل .
وهناك في عزلة خرساء عاش طاغور وحيد القلب ، غريباً ، لا يقر له قرار شاعراً بأن المرأة التي عرفها في كلكوتا ما فتئت تداعب خياله فتبعث فيه الحنين . فكان اتصال جديد وكان زواج وهو إذ ذاك على عتبة الثالثة والعشرين وكان اسم رفيقة حياته « مرينا ليني دافي » .
كان للمرأة تأثيرها الكبير في حياته الأدبية فخصها بالكثير من نتاجه ولا سيما في روايته « البيت والعالم » حيث درس أوضاعها ومهمتها ومثلها الأعلى في الحياة .
بطلة هذه الرواية ، واسمها بيالا ، قبيحة الشكل وشاعرة بقبحها ، كئيبة ، ولكنها تحب على غير أمل وتذهب بالحب حتى العبادة .
وتشاء الأقدار أن تحقق أماني الفتاة الهندية الوضيعة النسب فقيضت لها الزواج من فتى أحلامها الراجاه « نيكهل » إلا أنها ما ازدادت إلا قلقاً بعد الزواج ، لأنها كانت تشعر أنها ليست جديرة به فعمل وسعه لتحريرها من مركب النقص لأنه لم يشأ أن يجعل منها سجينة في قصره وعبدة له ، بل رفيقة جهاد تشاطره الخير والشر في الحياة . فكانت إذا قالت له مثلاً : « إن أفكار النساء صغيرة معوجة » أجابها تواً : « ليس هذا ذنب المرأة بل ذنب المحيط ، ألا ترين أن أقدام الصينيات صغيرة لأنها جبلت على الضغط منذ الحداثة .
لقد كان يعتقد : « إن الحقيقة لا توجد إلا في قلب المرأة لأنها تعرف أن تكون جبارة عند غضبها مخيفة كالعاصفة العمياء لتعود جميلة وادعة حين تهدأ
العاصفة فيشرق على قلبها الصفاء والنسيان » . لقد رام أن يجد في زوجته : « المرأة التي تخلق الجمال في قلب الرجل وأن لم تكن جميلة . وأن تكون قادرة على الخلق والإبداع . ومصدر الوحي الثائر ، خلقها الله خلق مصور فنان فتكون آية فنية لا تخزن الجمال إلا لتوجيه، كان يودها لو تكون : « صيدلية فيها من المخدر ما يكفي لتخدير أعصاب الرجل فلا يشعر إلا كما يشعر النائمون المخدرون ، ولا يحس إيلام الجرح إلا عندما يستفيق .
وأرادها أن تعلم أن « الرجل يحب زهو الألوان ، ويؤثر النشوة على الغذاء وأن عليها أن تنقي شر الرجال لتحول نفسها إلى شراب مسكر وأن من واجبها أن تخادع الرجل وتستهويه لأن ليس لديه ما يعادل لذته في أن يعيش معها مخدوعاً أبداً في عالم من الأماني والأحلام .
ويطلب إليها أن لا تستسلم للتردد وأن تعرف أن تقول « أريد » لأنها مصدر الوحي والسيطرة وسر القوة في الحياة . فابنة حواء وأن كانت ساكنة هادئة ، فإنما هي في سكون البحيرة العميقة ، بقدر ما يشتد الحبس ويقوى الضغط عليها - بقدر ذلك تدنو ساعة هياجها وطغيانها .
ويبلغ به تعظيم قدر المرأة إلى حد اعتبار الرجل « مسودة » لها تمرس الخالق في خلقه قبل أن يبدعها « حين خلق الله الرجل لم يكن قد تدرب بعد في الابتداع فخلقه كما تيسر له . فلما جاء دور المرأة كان قد أصبح فناناً فخلقها كما شاء » .

