

قطعت عهداً على النفس ، ان افصل نظريتي في « التوليد دون الم ودون اللجوء الى تبنيج او تخدير » في سلسلة احاديث ، تلقي على معميات هذه القضية نوراً ، وتنزع من روع الام ما فرضته الاجيال والتقاليد والبيئة من رعب ورهبة ، ولا يخفى ان هذا الموضوع الخطير شغل ادمغة المفكرين وكبار العلماء والفلاسفة قروناً عديدة وانه مزلق خطر واحجية يصعب حلها ، ولكن عزيمتي لم تهن ولم اتراجع امام الصعوبات ، على جسامتها ، وانا قد وقفت النفس على خدمة الام خدمة نصوحاً مجردة لتخفيف آلامها وتوفير اسباب الرفاهية والسعادة لها بتعبيد الطرق وتذليل السبل الوعرة امامها لكي تشق لها في الحياة مسلكاً
رحباً ، بعيداً عن الوساوس والاوهام التي رافقتها على مر الاجيال ، فقد آن لها الانعتاق من عبودية الخرافات المسيطرة عليها منذ القدم ، واللجوء الى العلم الحديث والتفكير النير ، لكي ترى الامور بحقائقها الواقعية ، لا كما تتخيلها بتأثيراتها النفسانية ، هذه التأثيرات التي سنتخذها موضوعاً لأحاديثنا المقبلة موضحين مساوئها واضرارها ساعين جهدنا للقضاء عليها عن طريق العقل والاقناع .
وموضوعي هذا مستمد من اختبارات شخصية لا تقل عن ثلاثين سنة مشبعة درساً وتمحيصاً وهي مقرونة بما اقتبسته من معلومات دقيقة في اثناء رحلاتي الى عواصم اوروبا بفضل المباحثات والمناقشات الممتعة مع اساطين الطب العالميين ، اساتذة فرع التوليد وامراض النساء ، وخصوصاً في احدى رحلاتي الى بريطانيا العظمى حيث اسعدني الحظ ان التقي احد كبار اساتذتها ، وكانت الفكرة نفسها تختمر في رأسه ، فتباحثنا ملياً وتبادلنا الاراء ، فاخذت واعطيت وصقلت فكرتي فتبلورت ونضجت ، وها انا الآن ماض في تفسيرها وايضاحها آملاً بالوصول الى الغاية المنشودة .
اعود بالذهن الى حادثة شاهدتها في مطلع عهدي بالطب ، حادثة ما نسيتها يوماً ، لأنها تركت في النفس اثراً عميقاً ،
ساعدني على توجيهي ، ودفعني في هذا السبيل واثقاً ومتحمساً ، وذلك اني دعيت ليلاً لتوليد امرأة في منزلها ، تصحبني احدى الممرضات ، وكان التوليد في المستشفى اذ ذاك نادراً وغير مرغوب فيه ، ولدى وصولي بادرتني السيدة المشرفة على الولادة بقولها : اعذرني يا حضرة الطبيب على دعوتي اياك في هذه الليلة الممطرة الباردة ، وانا لا اشعر بسوى انزعاج بسيط ربما كان ناتجاً عن برودة في الامعاء ، لا علاقة بالولادة ، وبما اني « بكرية » عديمة الخبرة ، وقد اصبحت في اواخر ايام حملي ، تجاسرت على ازعاجك لترشدني الى ما يجب عمله . لكن الكشف الطبي دلني على انها في حالة الولادة ، وقد قطعت شوطاً بعيداً ( واصبح عنق رحمها على وشك التوسع الكامل ) فوضعتها في سريرها واعددت اللازم وتركت الممرضة الى جانبها ، لكي تستدعيني حينما يشتد الألم . وذهبت الى احدى الغرف لارتاح قليلاً ريثما يحين وقت العمل ، فلم اكد اغض عيني حتى رن في اذني صوت الممرضة يدعوني على عجل ، فليبت مسرعاً ، وكانت دهشتي عظيمة حينما رأيت الطفل قد ابصر النور فزجرت الممرضة وأنبتها على تهاونها في استدعائي عندما بدأ الطلق القوي الدافع ، فاجابتني تلك السيدة بابتسامة لطيفة : ان الممرضة يا سيدي ، ليست مخطئة انني لم اشعر بسوى شيء يندفع فجأة الى