الخارج دون ألم مزعج، فنبهتها الى ذلك، فاستدعتك على الاثر. فقلت لها: هل من الممكن ان تكوني قد ولدت دون ألم ودون طلق قوي؟ فقالت: لما لا يا حضرة الطبيب، وهل الشعور بالألم ضروري؟ فوالدتي كانت تردد على مسمعي مرات، انها وضعت ثلاثة اولاد دون ألم، حتى انها في المرتين الاخيرتين، اتمت وضع طفليها قبل وصول القابلة، فهل في الامر غرابة ان شابهت الابنة امها.
هذه الحادثة القديمة كانت هي الاولى، ولم تكن الاخيرة لكنها علقت بالذاكرة، لانها ايقظت فضولي العلمي، ورست امام ذهني الفتي، صورة جديدة تختلف عن تلك التي كانت قد انطبعت في، منطلقة من افواه الامهات في وصف آلام الولادة، فاثرت في مخيلتي تأثيراً عميقاً، فكنت افكر مراراً في حالة تلك السيدة الهانئة المطمئنة في تلك المرحلة الخطيرة من حياتها، وكانت هذه الذكرى تعاودني كلما قمت بتوليد امرأة تجتاحها حالة من الرعب البالغ.
وبعد تفكير طويل مستمر، تبينت لي الحقيقة الساطعة، وادركت ان ليس في الطبيعة أي نظام او تدبير، يبرر وجود الالم في حالة الوضع، وقد شاهدت بنفسي نساء يلدن ولادة طبيعية، لا الم فيها، واخريات تنتابهن آلام مبرحة عند الولادة، التي كانت لهن بمثابة ذكرى مخيفة رائعة، وقد تبين لي ان الكثرة من النساء كن عرضة لشتى الآلام عند الوضع، بينما كانت قلة ضئيلة منهن تجتاز تلك المرحلة بسهولة واطمئنان، فلا تطلب مسكناً ولا تظهر انزعاجاً غير محتمل.
وكان من الصعب علي ان اعلل هذه الظاهرة المبهمة، اذ ارى امرأة تتألم في اثناء الوضع بينما لا تشعر امرأة اخرى بالم من الحالة نفسها، فان كلتا المرأتين تبذل جهداً مماثلاً، وتستعمل القوة نفسها لاجتياز الحدث عينه، وهما لا تختلفان في مدى الوقت الذي تستغرقانه من بدء المخاض حتى الوضع.
غير ان المرأة التي تتألم قد تستغرق وقتاً اطول قليلاً من تلك التي تلد دون ألم. وكان الطب في تلك الايام ما يزال يجهل جهاز ذلك الالم، فتجاوز كثيراً من مظاهره دون ان نعيره شيئاً من الاهتمام، الذي نبذله اليوم مهتدين بالاراء الحديثة.
وطال تساؤلي وتفكيري واجهدت نفسي بالملاحظة فبان لي ان استسلام المرأة واطمئنانها حين الوضع، هما العنصر البارز الذي يميز ولادة دون ألم، نسبياً، عن ولادة بالم، انه هدوء المرأة بل ايمانها بان الولادة امر طبيعي وعادي.
وكان لهذه الملاحظات اثرها البالغ في فحداني الى درس الدور الذي تمثله النفسية على مسرح هذا العمل الطبيعي، فقد رافق الحضارة وهم، واصبح اعتقاداً راسخاً، ان الوضع حدث مؤلم وخطر، وكلما تقدمت الشعوب في ميدان الحضارة والثقافة والرفاه، ازداد هذا الاعتقاد رسوخاً في الاذهان وسيطر ذاك الوهم على النفوس فاوهنها. فان هذا الخوف يولد لدى الامهات توتراً في العضلات، قد يؤدي الى انسداد الرحم والحؤول دون خروج الجنين ساعة الوضع، لأن توتر العضلات يخلق مقاومة
في عنق الرحم في الوقت الذي ينبغي فيه ان تكون تلك العضلات مسترخية مرنة، والالم الحقيقي مبعثه التوتر والمقاومة، وفي الرحم اعضاء خاصة تسجل الآلام الناشئة عن ازدياد التوتر.
فالخوف، والتوتر والالم، اذاً، هي الآفات الثلاث غير الطبيعية في الولادة، اوجدها جهل الذين القي على عاتقهم الاهتمام بامر التوليد في خلال التاريخ، وبما ان هذه الآفات الثلاث موحدة تسير معاً، جنباً الى جنب، واصبح من الضروري ازالة التوتر بالتغلب على الخوف كي يتيسر تجنب الألم. فنظريتي ينحصر تطبيقها في الوسائل التي من شأنها التغلب على الخوف واقصاء التوتر ليحل محلها الاستسلام الجسمي والعقلي.
